الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

زمن الكذب الجميل والجهل السعيد

م-ص

نعيش زمناً غريباً، حتى الكلمات فقدت معانيها القديمة. لم يعد الصدق فضيلة، كما كان يُقال لنا في طفولتنا، ولم يعد الكذب خطيئة، يخجل منها أصحابها. أصبح الكذب مهارة اجتماعية، وسُلّماً للصعود، وأحياناً بطاقة عبور إلى القلوب والمناصب والمصالح. صار بعض الناس يكذبون بسهولة مذهلة، حتى يخيل إليك، أنهم لا يفرقون بين الحقيقة وما اخترعته مخيلتهم. بل إنك أحياناً، تشعر أن البعض، يكذب أكثر مما يتنفس، وأن الهواء الذي يدخل إلى رئتيه يخرج في هيئة قصة جديدة، أو وعد جديد أو قناع جديد.

في هذا الواقع القذر، لم تعد الوجوه كما تبدو، ولم تعد الكلمات تعني ما تقوله. يبتسم لك الإنسان، وهو يضمر عكس ما يعلن، ويصافحك بحرارة، بينما يحمل في داخله برودة الجليد. أصبح النفاق فناً متقناً، وأصبحت الأقنعة أكثر انتشاراً من الوجوه الحقيقية. حتى العلاقات الإنسانية، التي كانت تقوم على الثقة والمحبة والوفاء، أصابها شيء من التلوث، فأصبحت المصلحة هي اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع، وأصبح السؤال الأول الذي يطرحه كثيرون ليس: “هل هذا الشخص طيب؟”، بل: “ماذا يمكن أن أستفيد منه؟”.

والغريب أن أكثر الناس تعباً في هذا العالم، هم أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بالصدق. فهؤلاء يصطدمون يومياً بجدران الخداع، ويكتشفون في كل مرحلة، أن الحقيقة أصبحت سلعة نادرة. يراقبون المشهد من حولهم بحزن، ويرون كيف يتقدم أصحاب الأصوات العالية، وكيف يلمع أصحاب الوعود الفارغة، وكيف تتحول المبالغة إلى بطولة، بينما يقف الصادقون في الصفوف الخلفية، وكأنهم غرباء عن زمنهم.

أما الأميون في جهلهم، فكثير منهم يعيشون سعادة خاصة، لا يعرفها المثقلون بالأسئلة. ينامون مطمئنين، لأنهم لا يرون ما وراء الستار، ولا يرهقون عقولهم بمحاولة فهم ما يجري. يصدقون كل ما يسمعون، ويصفقون لكل ما يُعرض عليهم، ويواصلون حياتهم ببساطة، قد تبدو أحياناً نعمة وأحياناً أخرى مأساة. فالجهل يملك قدرة عجيبة على تخدير الألم، لأن الإنسان لا يتعذب كثيراً بما لا يعرفه.

أما الذين يقرأون ويفكرون ويحاولون فهم العالم، فهم يدفعون ثمناً مختلفاً. كلما اتسعت رؤيتهم، ازدادت دهشتهم من حجم التناقضات. يرون الظلم وهو يرتدي ثياب العدالة، ويرون الجشع، يتحدث باسم المصلحة العامة، ويرون الفشل يُسوَّق على أنه نجاح، ويرون الرداءة، وهي تتصدر المشهد، بينما يتم تهميش الكفاءة والخبرة والاجتهاد.

لقد أصبح العالم في كثير من الأحيان، يشبه مسرحاً ضخماً، يؤدي فيه الجميع أدواراً مكتوبة سلفاً. هناك من يمثل دور الشريف وهو أبعد ما يكون عن الشرف، وهناك من يمثل دور المظلوم وهو يمارس الظلم على غيره، وهناك من يرفع شعارات الفضيلة نهاراً، ثم يخلعها ليلاً عندما تغيب الأضواء. وكلما ازداد العرض إتقاناً، ازداد عدد المصفقين.

ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، يظل هناك شيء صغير يقاوم الانطفاء. يظل هناك أناس، يصرون على أن الصدق، يستحق أن يُقال، وأن النزاهة تستحق أن تُمارس، وأن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع. قد يكونون قلة، وقد يبدو صوتهم ضعيفاً وسط الضجيج، لكن وجودهم، هو ما يمنع العالم من السقوط الكامل في الهاوية.

إن أكثر ما يخيف في هذا الزمن، ليس انتشار الكذب وحده، بل اعتياد الناس عليه. فحين يصبح الكذب أمراً عادياً، والفساد أمراً مألوفاً، والخداع سلوكاً مقبولاً، فإن الخطر الحقيقي، لا يكون في الأفعال نفسها، بل في فقدان القدرة على استنكارها. عندها يصبح القبح، جزءاً من المشهد اليومي، ويصبح الاعتراض عليه نوعاً من الغرابة.

ذلك هو الواقع المؤلم الذي نعيشه أحياناً؛ واقع يركض فيه كثيرون خلف الأوهام، وتُقاس فيه القيمة بالمظاهر لا بالجوهر، وتُمنح فيه الأضواء، لمن يجيد التمثيل أكثر ممن يجيد العمل. ومع ذلك، يبقى الأمل معلقاً في أولئك الذين، ما زالوا يملكون شجاعة النظر إلى الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تكون. فالعالم، مهما امتلأ بالزيف، سيظل بحاجة إلى من يقول كلمة صدق واحدة، في وجه بحرٍ كامل من الأكاذيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.