زهور السليماني وخديجة عدلي… تكريم مسارين مضيئين في ذاكرة الفن المغربي بمهرجان الفيلم التربوي

ضربة قلم
حين يختار مهرجان الفيلم التربوي لأطفال المخيمات الصيفية، أن يرفع الستار عن دورته التاسعة بتكريم اسمين بارزين من ذاكرة الفن المغربي، فإنه لا يحتفي فقط بفنانتين قديرتين، بل يستحضر جزءًا من تاريخ الإبداع الوطني، ومسارين فنيين، بصما حضورهما في وجدان الجمهور المغربي عبر عقود من العطاء.
فخلال فعاليات الدورة التاسعة للمهرجان، التي تنظمها جمعية صورة للتراث الثقافي، خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 21 يوليوز 2026، بعدد من المدن المغربية، سيتم تكريم الفنانتين زهور السليماني وخديجة عدلي، اعترافًا بما قدمتاه للساحة الفنية المغربية، وتقديرًا لتجربتين مختلفتين ومتكاملتين، جمعتا بين الموهبة والالتزام والقدرة على ملامسة قلوب المتلقين.
إن اختيار هاتين القامتين للتكريم، يحمل دلالة خاصة، لأن المهرجان لا ينظر إلى السينما والفن باعتبارهما مجرد فرجة، بل باعتبارهما ذاكرة جماعية ووسيلة للتربية وبناء الوعي. ومن هنا يصبح الاحتفاء بالفنانين الذين صنعوا جزءًا من هذه الذاكرة فرصة أمام الأجيال الجديدة، لاكتشاف أسماء ساهمت في إثراء المشهد الثقافي المغربي.
زهور السليماني… ابتسامة فنية تختزن مسارًا من العطاء
تعد الفنانة زهور السليماني، واحدة من الوجوه المحبوبة لدى الجمهور المغربي، حيث استطاعت عبر مسارها الفني أن تبني علاقة خاصة مع المشاهدين، بفضل حضورها القوي وقدرتها على تقديم شخصيات متنوعة تجمع بين الحس الكوميدي والعمق الإنساني.
لم تكن تجربة زهور السليماني، مجرد حضور عابر في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، بل شكلت نموذجًا لفنانة استطاعت أن تجعل من البساطة قوة إبداعية، وأن تمنح للشخصيات، التي جسدتها روحًا قريبة من الناس، سواء في الأدوار الاجتماعية أو الكوميدية أو الدرامية.
وقد عرفت الفنانة بقدرتها على التواصل مع مختلف الفئات العمرية، وهو ما جعل حضورها الفني، ممتدًا داخل الأسر المغربية، حيث ارتبط اسمها بأعمال تركت أثرًا لدى الجمهور، وبأسلوب خاص يقوم على التلقائية والصدق في الأداء.
إن تكريم زهور السليماني هو تكريم لفنانة، جعلت من الفن رسالة قرب ومحبة، وظلت وفية لقناعة، مفادها أن الفنان الحقيقي هو من يترك أثرًا في ذاكرة الناس، قبل أن يترك اسمه في أرشيف الأعمال.
خديجة عدلي… صوت فني وتجربة غنية بالحضور
أما الفنانة خديجة عدلي، فتعتبر من الأسماء التي راكمت تجربة مهمة في المجال الفني المغربي، واستطاعت أن تثبت حضورها من خلال أعمال متنوعة، أظهرت فيها قدرة كبيرة على التشخيص والتفاعل مع مختلف الأنماط والشخصيات.
تميزت خديجة عدلي بأسلوبها الخاص في الأداء، وبقدرتها على تقديم أدوار تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية، جعلت منها واحدة من الفنانات اللواتي، يحظين باحترام وتقدير داخل الوسط الفني وبين الجمهور.
إن مسارها الفني، يعكس تجربة فنانة اختارت أن تجعل من الإبداع مجالًا للتعبير عن الإنسان وقضاياه، وأن تمنح للشخصيات التي تؤديها حضورًا يتجاوز حدود الشاشة، من خلال الاشتغال على التفاصيل والمشاعر والبعد النفسي للأدوار.
ويأتي تكريمها ضمن مهرجان يضع الطفل في قلب اهتماماته، ليؤكد أهمية نقل التجارب الفنية المغربية للأجيال الصاعدة، وربط الناشئة بنماذج إبداعية صنعت حضورها بالعمل والاجتهاد.
تكريم يحمل رسالة ثقافية وتربوية
لا يقتصر تكريم زهور السليماني وخديجة عدلي على الاحتفاء بمسيرتين فنيتين، بل يحمل رسالة أعمق تتعلق بأهمية الاعتراف بالعطاء الثقافي والفني، خاصة في زمن أصبحت فيه الحاجة ملحة إلى تقريب الشباب والأطفال من رموز الإبداع الوطني.
فالمهرجان، من خلال اختياره للفيلم الوثائقي، شعارًا لدورته التاسعة تحت عنوان “الفيلم الوثائقي… رهانات تربوية”، يؤكد أن السينما، يمكن أن تكون مدرسة مفتوحة، وأن الفن قادر على بناء جسور بين الأجيال، وتعزيز قيم الحوار والانفتاح والتفكير النقدي.
وسيكون حفل افتتاح الدورة التاسعة بمخيم العالية بالمحمدية، مناسبة للاحتفاء بالفنانتين وسط حضور فني وثقافي، إلى جانب تقديم لجنة التحكيم والأفلام المشاركة، وعرض فيلم الافتتاح “العرض الأخير” للمخرج نور الدين لخماري، في لحظة تجمع بين الاحتفال بالسينما وتكريم وجوه صنعت جزءًا من تاريخها.
إن تكريم زهور السليماني وخديجة عدلي، هو قبل كل شيء اعتراف بقيمة الفنان المغربي الذي يشتغل بصمت، ويمنح من موهبته ووقته لإغناء المشهد الثقافي الوطني. وهو أيضًا رسالة إلى الأطفال المشاركين في المهرجان، بأن الفن ليس مجرد صورة على الشاشة، بل هو ذاكرة وقيم وتجارب إنسانية، تستحق أن تُروى وتُحفظ.
فحين تُكرَّم الأسماء التي أعطت للفن المغربي من روحها وموهبتها، فإننا لا نحتفي بالماضي فقط، بل نفتح الطريق أمام مستقبل أكثر ارتباطًا بالإبداع والثقافة والجمال.




