زواج المال بالسلطة: كيف يصنع الأعيان مستقبل الانتخابات؟

ضربة قلم
في كل موسم انتخابي بالمغرب، يعود السؤال الأزلي: هل نصوّت على البرامج والأفكار، أم على الأسماء والجيوب الممتلئة؟ الواقع يكشف أن المال لم يعد مجرد وسيلة دعم للحملات الانتخابية، بل صار اللاعب الأول في رسم الخرائط السياسية. الأعيان، بما يملكونه من ثروات ونفوذ، لا يكتفون بملء الكراسي، بل يصنعون مستقبل الانتخابات كما يشاؤون، في مشهد تتداخل فيه المصالح الشخصية بالسلطة العمومية، وتضيع معه آمال المواطن البسيط في تغيير حقيقي.
1. المال… مدخل إلى السياسة
في المغرب، تحوّلت الانتخابات إلى سوق مفتوحة: المال يُنفق بسخاء، ليس فقط في الحملات، ولكن قبلها بوقت طويل. الأعيان ـ أي أولئك الذين راكموا الثروات من التجارة، العقار، الفلاحة أو الامتيازات ـ وجدوا في السياسة طريقًا لتأمين مصالحهم. وهكذا، يصبح البرلمان أو الجماعة الترابية امتدادًا لمكتب المقاولة أو الضيعة، لا فضاءً لخدمة المواطنين.
2. الأعيان كـ”وكلاء الدولة غير المعلنين”
لطالما كان يُنظر إلى الأعيان باعتبارهم وسطاء بين السلطة والمجتمع. الدولة تراهن عليهم لضبط الأصوات، و”شراء السلم الانتخابي” في القرى والبوادي، مقابل غض الطرف عن ممارساتهم أو تمتيعهم بامتيازات. إنهم أشبه بـ”مفاتيح انتخابية” تتحكم في الخريطة، وتجعل التعددية الحزبية مجرد ألوان بلا مضمون.
3. السياسة تُستعمل كدرع للثروة
يدرك الأعيان أن المال وحده لا يكفي. فالثروة في مجتمع هشّ يمكن أن تصبح عرضة للضرائب، للتحقيقات أو حتى للمساءلة. هنا تأتي السياسة كـتأمين شامل: المقعد البرلماني أو رئاسة الجماعة يمنح حصانة غير مكتوبة، وقدرة على التأثير في القرارات المحلية والوطنية. المال يحمي السياسة، والسياسة تحمي المال… دائرة مغلقة تجعل المواطن الحلقة الأضعف.
4. المواطن رهينة الوعود الكاذبة
حين يدخل المال إلى السياسة، يصبح الصوت الانتخابي سلعة. الناخب البسيط يُغرى بالهدايا الموسمية: قفة رمضان، وجبة غذاء، أو حتى ورقة نقدية تُسلم في الخفاء. النتيجة أن العملية الديمقراطية تتحول إلى مزاد علني، والمرشحون الحقيقيون الذين يملكون مشاريع وأفكارًا يجدون أنفسهم خارج اللعبة.
5. الانتخابات كاستثمار ربحي
الأعيان لا ينفقون أموالهم في الحملات بدافع الكرم. بالنسبة لهم، الانتخابات مشروع استثماري: كل درهم يُصرف اليوم سيعود أضعافًا مضاعفة عبر الصفقات العمومية، تفويت الأراضي، الرخص الاستثنائية، أو التحكم في المشاريع التنموية. الناخب إذن ليس شريكًا، بل مجرد “وسيلة إنتاج” في معمل السلطة.
6. النتائج على الديمقراطية
هذا الزواج بين المال والسلطة يفرغ الديمقراطية من مضمونها:
البرلمان يتحول إلى “نادٍ للأثرياء”.
الجماعات الترابية تصبح “مقاولات عائلية”.
السياسة تُختزل في لعبة توزيع الغنائم.
والمؤسف أن الشباب والكفاءات يجدون أنفسهم عاجزين عن دخول الحلبة، لأن المنافسة غير متكافئة: المال يشتري كل شيء، من الولاءات إلى المقاعد.
7. أسئلة مؤرقة
هل يمكن أن تُبنى ديمقراطية حقيقية حين تتحكم الثروة في صناديق الاقتراع؟
أليست هذه الوضعية إعادة إنتاج لـ”الإقطاع السياسي” بلباس عصري؟
إلى متى سيظل المواطن مجرد أداة لتثبيت زواج غير شرعي بين السلطة والمال؟
خاتمة
زواج المال بالسلطة ليس مجرد علاقة عابرة، بل هو عقد غير مكتوب يتحكم في مستقبل الانتخابات بالمغرب. وإذا لم تُوضع قوانين صارمة تحد من نفوذ المال، فإن الديمقراطية ستبقى واجهة جميلة تخفي وراءها تحالفات مصلحية، حيث يصنع الأعيان الخرائط الانتخابية كما يصنع المقاول تصاميم بناية جديدة: على المقاس.





https://shorturl.fm/z3ZIz