الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

زياد الرحباني… حين يرحل اللحن ويبقى الصدى

ضربة قلم

رحل زياد، فانطفأت بيروت لحظةً، كأنها نسيت كيف تتنفس. توقفت الموسيقى في منتصف لحنٍ لم يكتمل، وسكت الصوت الذي اعتاد أن يحوّل وجع الناس إلى نغمة، ويكتب نبض الشارع على شكل جملة موسيقية تفضح وتواسي في الوقت نفسه.

ابن فيروز وعاصي لم يكن مجرد امتداد لأسطورة، بل كان تمرّدًا ناعمًا عليها. حمل إرث العائلة في يد، ومدّ الأخرى إلى قلب الناس، فكتب مسرحياتٍ صارت مرآةً لبلدٍ يتأرجح بين حلمٍ مكسور وأملٍ يصرّ على التنفّس رغم الركام. ألحانه لم تكن مجرد أنغام؛ كانت حوارات بين البيانو ودمعة، بين الجاز وصوت المطر، بين الشرق الذي يخشى التغيير والغرب الذي لا يجرؤ على الفهم.

كان زياد يعيش كأنه يؤلف مسرحية لا تنتهي. يسخر من السياسة لأنه يعرف أن السخرية أصدق من خطاباتها، ويعزف ضد الطائفية لأنه يؤمن بأن اللحن الصافي يوحّد المختلفين على وترٍ واحد. علّمنا أن الحب قد يكون حوارًا حزينًا على طاولة مقهى، وأن الوطن قد يختبئ في جملة عابرة أو في صرخة بيانو تتردد في ليل بيروت الطويل.

وحين ودّعوه في بكفيا، لم يكن وداع جسد فقط، بل وداع زمنٍ بأكمله. زمنٌ كانت فيه فيروز تغني وكأنها تصلّي، وزياد يكتب لها وكأنه يحاور التاريخ نفسه. وقفت الأم تودّع ابنها، ووقف الناس يودّعون مرحلة، فيما بقيت الألحان تدور في الأفق، تهمس: أنا هنا، لن أغيب.

زياد لم يكن مجرد شخص؛ كان فكرة تمشي على الأرض، وكان نغمة تُقال بصوتٍ مبحوح وصدقٍ عارٍ. لم يكن رحيله موتًا، بل لحظة صمتٍ كبرت حتى أصبحت موسيقى أخرى. لحظة وجعٍ تحوّلت في عيون من أحبوه إلى دمعةٍ تشبه بيروت حين تبكي على نفسها بصوتٍ خافت.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.