
ضربة قلم
شهدت أسواق زيت الزيتون هذا الموسم مفاجأة صادمة، جعلت المستهلك المغربي يتساءل: هل نحن أمام طفرة صحية في السوق أم أمام لغز اقتصادي يحتاج إلى فك شيفرته؟
فخلال أسابيع قليلة فقط، هبط سعر اللتر الواحد إلى حدود 45 درهمًا في عدد من المناطق، وهو تراجع لم تعرفه الأسواق منذ سنوات طويلة، بعدما تحولت القنينة الخضراء في الموسم الماضي، إلى سلعة “نخبوية” لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها.
موسم وفير… وسوق بلا قواعد
الانخفاض لم يكن مجرد حركة بسيطة في السوق، بل كان سقوطًا حرًا.
الموسم الفلاحي الحالي جاء بإنتاج وفير في عدد من الجهات، وهو ما رفع العرض بشكل لم يكن متوقعًا، وعجل بدخول كميات ضخمة من الزيت إلى السوق دفعة واحدة. ومع غياب قنوات تنظيمية حقيقية بين المنتجين والموزعين، تحولت الوفرة إلى مطرقة تضرب الأسعار بلا رحمة.
المفارقة أن المستهلك فرح، والفلاح تألم، والتاجر حاول النجاة. إنها ثلاثية تتكرر، كلما اهتز موسم الزيتون بين وفرة مفرطة أو جفاف قاسٍ، وبينهما يضيع الاستقرار السعري.
45 درهمًا للتر… لكن بأي جودة؟
شهدت الأسواق الشعبية تحديدًا موجة عروض مغرية دفعت البعض إلى التساؤل:
هل هذا هو الزيت البكر الممتاز الذي يشتهر به المغرب؟
أم أن انخفاض السعر يخفي خلفه دخول زيوت ممزوجة، أو قديمة تمت إعادة تعبئتها؟
الحقيقة أن الفارق بين الزيت عالي الجودة والزيوت المختلطة، أصبح ضئيلًا في السوق غير المنظمة، حيث يكفي غياب المراقبة لكي يتحول “الترخيص الصامت” إلى باب واسع للتلاعب. وهكذا، يتقاطع عطش المستهلك إلى سعر معقول مع جشع بعض الوسطاء، فيولد سوقًا رمادية لا أحد يعرف تمامًا ماذا يجري داخلها.
الفلاحون… أكبر الخاسرين
وسط فرحة المستهلكين بانخفاض الأسعار، هناك طرف واحد يعضّ على شفتيه: الفلاحون الصغار.
هؤلاء الذين ينتظرون الموسم بفارغ الصبر لتسديد ديون السقي والحرث والتقليم، وجدوا أنفسهم مضطرين للبيع، بثمن يكاد لا يغطي حتى تكلفة الإنتاج.
أما المطاحن، فقد وجدت نفسها أمام معادلة صعبة:
بيع المخزون بسرعة خوفًا من مزيد من التراجع، أم الانتظار مع احتمال فقدان الجودة؟
وفي كلا الحالين، الطرف نفسه يدفع الثمن.
العرض يصرخ… والطلب يتمطّى
الأسواق هذا الموسم تشبه مباراة بلا حكم:
الفلاح يضخ الزيت، والتجار يغرقون في وفرة غير معتادة، والمستهلك ينتظر مزيدًا من الانخفاض.
ومع غياب سياسة تخزين منظمة، أو دعم للتسويق، أو رؤية واضحة لكيفية حماية القيمة المضافة للمنتوج الوطني، تصبح النتيجة واضحة: انخفاض بلا سقف.
هل من أمل في الأفق؟
المؤشرات كلها تقول إن الأسعار قد تبقى منخفضة، ما دام العرض أكبر من الطلب، وما دامت سياسة التسويق التقليدية لم تتغير، وما دامت سلاسل الإنتاج تفتقر إلى هيكلة حقيقية.
لكن الفرصة لا تزال قائمة:
-
إنشاء تعاونيات قوية تتولى التعبئة والتسويق.
-
اعتماد علامات جودة محمية محليًا ودوليًا.
-
وضع نظام تخزين وطني يقلل من صدمات العرض.
-
مراقبة صارمة تحمي المستهلك والفلاح معًا.
فزيت الزيتون ليس مجرد سلعة غذائية؛ إنه جزء من الهوية الفلاحية للمغرب، ورمز لجودة عريقة تتجاوز الحدود.
وإذا استمر بيع هذا الذهب الأخضر بـ45 درهمًا فقط، فسيظل السؤال قائمًا:
من المستفيد حقًا من انهيار الأسعار؟ ومن الخاسر الأكبر في هذه اللعبة؟




