سائق طاكسي صغير بأكادير يتحوّل إلى معتدٍ في الشارع العام: ستة أشهر حبسا بسبب الهمجية!

ضربة قلم
يبدو أن قطاع “صغار الطاكسيات” لم يعد صغيرًا سوى في الاسم، أما في مشاكل بعض أفراده، فقد صار عملاقًا في إنتاج الفضائح. ليس من باب التعميم، فبين السائقين شرفاء لا يُعدّون، يعملون بضمير ويكسبون لقمتهم بالحلال، لكننا نتحدث اليوم عن فئة قررت أن تجعل من المقود وسيلة للهيمنة، ومن سيارة الأجرة منصّة للعربدة، ومن الزبونة هدفًا متحركًا في لعبة عنف مجانية لا تحتاج إلى اشتراك ولا انخراط.
نؤكد أننا هنا لا نتحدث عن كل سائقي الطاكسيات، فبعضهم -وكما ذكرنا- شرفاء، مثابرون، يشتغلون من الفجر حتى صلاة المغرب، ويأخذون الركاب إلى وجهاتهم بسلام ومحبة وبلا موسيقى شعبية مجلجلة تجعلك تفكر في الاستقالة من الحياة. لكن هناك فئة أخرى، فئة ترى في المقود سلاحًا، وفي الراكبة “خصمًا”، وفي الشارع ساحة نزال حيث تقاس الرجولة بعدد الصفع والتصرفيق لا بعدد الكيلومترات المقطوعة.
ها نحن اليوم أمام مشهد سينمائي، فقط بلا مونتاج ولا موسيقى تصويرية: شابتان تتعرضان للاعتداء وسط الشارع العام، و”مول الطاكسي” يلعب دور البطل الهوليودي العدواني، ولكن من نوع الدرجة الثالثة، الذي لا يملك لا عضلات فان دام ولا حتى لباقة “حكيم زياش”. مقطع الفيديو الذي وثّق الجريمة كان صادمًا لدرجة جعلت مواقع التواصل تتحول فجأة إلى محكمة شعبية، والجمهور – كما العادة – لم يُقصّر في توزيع الأحكام والتهم، بل وتعيين محاميين دفاع افتراضيين ونيابة عامة مكونة من أمهات مستاءات.
الغريب في الأمر، أن لا أحد تقدّم بشكاية في البداية. ربما لأن الفتاتين، كغيرهما من ضحايا العنف اليومي، فقدتا الثقة في كل منظومة العدالة، أو لأنهن يعرفن مسبقًا أن المعتدي “ولد الشعب” – نعم، ذلك التعبير السحري الذي يُستعمل أحيانًا كترخيص غير رسمي لارتكاب البلاوي. لحسن الحظ، أن المصالح الأمنية لم تنتظر الشكاية، بل تحركت بمجرد مشاهدة الفيديو، وكأن الأمر صار واضحًا: “الشعب يتابع، ونحن نتابع أيضًا”.
التحريات قادت إلى توقيف البطل المزعوم بمحطة المسافرين، حيث كان يستعد للفرار، كأننا في فيلم بوليسي رديء الإخراج. أربعون سنة زائد سنتين من العمر، لكن العقل – على ما يبدو – لا يتجاوز الستة أعوام، تلك المرحلة التي يُعبّر فيها الإنسان عن الرفض بالبكاء أو الضرب. وكما جاء في تفاصيل القضية، فالسبب لم يكن نقصًا في البنزين، بل فائضًا في الغيرة السامة، حين التقى المعتدي برفيقة سابقة رفضت مرافقته، فما كان منه إلا أن أحيا تقاليد الكهوف، ووزّع الضرب هنا وهناك، بلا اعتبار لا لقانون ولا لأخلاق ولا حتى لكاميرات المراقبة التي أصبحت تملّ من توثيق البلاوي.
وها هي المحكمة تصدر حكمها: ستة أشهر من السجن النافذ. ستة أشهر قد يراها البعض عقابًا، ويراه آخرون راحة من زحمة المرور اليومية، وكأن القضاء قال له: “خذ عطلة مؤقتة… لكن بلا دراعية”. وربما سيقضي أيامه في السجن يروي “البطولات” لرفاق الزنزانة، متناسيًا أن المجتمع خارجه يُسجل نقاطًا على حساب سلوكه، وأن المواطنات والمواطنين صاروا لا يطيقون مزيدًا من هذا النوع من السفاهة المتنقلة.
متى نخرج من هذا المستنقع؟ متى نفهم أن العمل في الطاكسي أو الحافلة أو أي مهنة في الشارع، لا يمنح الإنسان صكوك السيطرة أو الغضب المجاني؟ متى تصبح “الرجولة” مرتبطة بالاحترام لا بالعضلات؟ ربما حين تتحول المرايا الجانبية في السيارات إلى مرايا ضمير، يرى فيها السائق نفسه لا مجرد وسيلة لملاحظة الشرطي أو تجنب حادث سير.
الشارع ليس حلبة مصارعة، والنساء لسن أكياس رمل، والكرامة ليست عملة قابلة للتفاوض على الرصيف. فيا سادة النقل العمومي، إن كان بعضكم لا يزال يعتقد أن العنف لغة سريعة للفهم، فالعدالة باتت أسرع، والعدسات لا ترحم، والناس – رغم كل شيء – بدأوا يتكلمون، ويوثقون، ويقولون: “باراكا”.
تنبيه: الصورة تعبيرية فقط ولا تمتّ بصلة للأشخاص الحقيقيين المعنيين بالواقعة.




