الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

ساسة آخر الزمن.. عندما يتحول الكذب إلى برنامج انتخابي والوعود إلى “مسرح شعبي” مفتوح!

ضربة قلم

في زمنٍ لم يعد فيه الكذب مجرد سلوك معزول أو خطأ أخلاقي عابر، بل تحول عند بعض السياسيين إلى “مشروع حياة” ووسيلة يومية للبقاء فوق الكراسي، أصبح المواطن المغربي يعيش حالة من الإرهاق النفسي، وهو يتابع خطابات عدد من قادة الأحزاب والبرلمانيين ورؤساء الجماعات ومنتخبي آخر الزمن، الذين أتقنوا فن بيع الوهم، أكثر من إتقانهم تدبير الشأن العام.

لقد صار الكذب عند البعض برنامجا انتخابيا قائما بذاته، لا يحتاج إلى وثائق ولا أرقام ولا حتى قليل من الحياء السياسي. يكفي أن يقترب موعد الانتخابات حتى تتحول بعض المنابر إلى مسارح كبرى للوعود الخيالية، فيخرج علينا منتخب قضى خمس سنوات كاملة في النوم داخل الجماعة أو البرلمان، ثم فجأة يتحول إلى “منقذ الأمة” و”حامي الفقراء” و”صاحب المشاريع الكبرى”، وكأن المواطنين، كانوا يعيشون طوال السنوات الماضية في كوكب آخر لا يرون فيه الخراب اليومي الذي خلفه هذا المنتخب نفسه.

بعض السياسيين في المغرب لم يعودوا يكذبون من أجل الهروب من الإحراج فقط، بل أصبحوا يكذبون حتى في الأمور التي يعرف الجميع حقيقتها. يكذب وهو يعلم أن المواطن يعرف أنه يكذب، ثم يبتسم بثقة عجيبة، وكأنه يقدم فتحا علميا جديدا للبشرية. وهذه مرحلة خطيرة جدا من الانحدار السياسي، لأن الكذب هنا، لم يعد مجرد وسيلة، بل تحول إلى ثقافة كاملة وإلى أسلوب عيش، وإلى نوع من “الاحتراف الوقح” الذي لا يخجل أصحابه من شيء.

ففي موسم الانتخابات، يتحول بعض المنتخبين إلى خبراء في توزيع الأحلام المجانية. يعدون الشباب بالشغل، والفقراء بالسكن، والعاطلين بالمشاريع، والمرضى بالمستشفيات، والقرى بالطرق، ثم ما إن تنتهي الحملة، حتى يختفي الجميع، كما تختفي عروض “التخفيضات الكبرى” بعد نهاية الموسم.

والأدهى من ذلك أن بعضهم يملك قدرة خارقة على تغيير مواقفه بسرعة الضوء. اليوم يسب حزبا معينا ويتهمه بالفساد والانتهازية، وغدا يستيقظ المواطن، ليجده داخل الحزب نفسه يصفه بـ”البيت الوطني الكبير”. واليوم يهاجم شخصا ويتهمه بتخريب البلاد، وبعد أشهر يجلس معه في منصة واحدة، يتبادلان الضحكات والعناق، وكأن كل ما قيل سابقا، كان مجرد فقرة كوميدية في برنامج ساخر.

لقد أصبحت السياسة عند بعض المنتخبين أشبه بمهنة التمثيل الرديء، حيث لا ثبات في المواقف ولا احترام للوعود ولا وفاء للخطاب. المواطن يسمع كلاما في الحملة الانتخابية، ثم يكتشف بعد الفوز أن المنتخب، كان يتحدث عن “مغرب آخر” لا علاقة له بالواقع.

والمضحك المبكي أن بعض رؤساء الجماعات صاروا يتحدثون عن التنمية، وكأنهم مهندسو نهضة عالمية، بينما شوارع مدنهم وقراهم تغرق في الحفر والأزبال والظلام. يتحدث عن “المدينة الذكية” وهو عاجز حتى عن إصلاح مصباح عمومي، ويتغنى بـ”جلب الاستثمارات” بينما المواطنين، يهربون يوميا من البطالة واليأس.

أما بعض البرلمانيين، فقصتهم قصة أخرى. يظهرون في الحملات الانتخابية بلباس بسيط ولهجة شعبية وابتسامات واسعة، يصافحون الجميع ويقبلون الأطفال، ويعدون الناس بالدفاع عن حقوقهم، ثم ما إن يصلوا إلى قبة البرلمان، حتى يصابوا فجأة بمرض “فقدان الذاكرة الجماعي”، فلا يعود المواطن يرى لهم أثرا، إلا في صور المناسبات التي تفرض عليهم الحضور.

بل إن بعضهم لا يتقن حتى الكذب الذكي، بل يقدم وعودا مستحيلة، بشكل يثير الشفقة أحيانا والضحك أحيانا أخرى. يعد ببناء مصانع في دواوير، لا تتوفر حتى على قنوات الصرف الصحي، ويتحدث عن “الثورة الرقمية” في مناطق ما زال سكانها يبحثون عن تغطية الهاتف فوق أسطح المنازل.

وإذا كان الكذب السياسي في بعض الدول يتم بطريقة محترفة ومدروسة، فإن جزءا من الكذب السياسي عندنا، أصبح بدائيا ومكشوفا إلى درجة أن المواطن صار يتوقع الجملة القادمة قبل أن ينطق بها السياسي نفسه. نفس العبارات، نفس الشعارات، نفس المسرحية السنوية التي تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، وكأن البلاد، تعيش إعادة بث دائمة لمسلسل قديم، فقد المشاهدون الثقة في نهايته منذ سنوات.

لقد تحول بعض قادة الأحزاب إلى تجار للكلمات الكبيرة: “الكرامة”، “العدالة الاجتماعية”، “الدولة الاجتماعية”، “الإنصاف”، “ربط المسؤولية بالمحاسبة”… شعارات براقة تستهلك بكثرة في الخطب، لكنها تختفي بسرعة بمجرد الاقتراب من الواقع اليومي للمواطن.

والمؤلم أكثر أن هذا الكذب المتواصل، لم يعد يضر فقط بصورة السياسي، بل بدأ يقتل الثقة في السياسة نفسها. فالمواطن المغربي البسيط لم يعد يفرق أحيانا بين السياسي الجاد والسياسي الانتهازي، لأن كثرة الوجوه التي مارست التضليل والمتاجرة بالوعود، جعلت الناس ينظرون إلى الجميع بعين الشك والسخرية.

حتى الشباب، الذين كان يفترض أن يكونوا أكثر الفئات حماسا للمشاركة السياسية، صار كثير منهم يعتبر السياسة مجرد “سوق كبير للكلام”، لأنهم نشأوا وهم يشاهدون نفس الوجوه تتكرر، ونفس الوعود تتبخر، ونفس المسرحيات الانتخابية تعاد كل خمس سنوات دون تغيير حقيقي.

والغريب أن بعض هؤلاء السياسيين، لا يشعرون بأي حرج وهم يغيرون أحزابهم وخطاباتهم وتحالفاتهم حسب اتجاه الرياح، وكأن المبادئ مجرد ملابس موسمية، يتم تبديلها حسب الطقس الانتخابي. اليوم يساري، غدا ليبرالي، وبعد غد محافظ، ثم في النهاية، لا أحد يفهم ما الذي يؤمن به فعلا سوى إيمانه الأبدي بالبقاء قرب السلطة والمصالح.

لقد أصبح المشهد السياسي عند البعض يشبه سيركا كبيرا: مهرجون يصرخون فوق المنصات، ووعود تتطاير في الهواء، وتصفيقات مدفوعة بالحماس المؤقت، بينما المواطن البسيط، يعود في النهاية إلى بيته حاملا نفس المعاناة القديمة: بطالة، غلاء، طرق مهترئة، خدمات متدهورة، وانتظار طويل لمستقبل يبدو مؤجلا إلى إشعار آخر.

ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل قائما في وجود رجال ونساء سياسة نزهاء، ما زالوا يؤمنون بأن العمل السياسي رسالة قبل أن يكون امتيازا، وأن خدمة المواطنين مسؤولية لا تجارة موسمية. لأن المغرب، في النهاية، لا يحتاج إلى مزيد من محترفي الكذب، بل إلى مسؤولين يمتلكون شجاعة قول الحقيقة، حتى وإن كانت مؤلمة، بدل بيع الأوهام للمواطنين في كل محطة انتخابية.

فالكذب قد يمنح السياسي تصفيقا مؤقتا، لكنه لا يبني وطنا، ولا يصنع تنمية، ولا يحفظ كرامة شعب، تعب كثيرا من سماع نفس الأسطوانة المشروخة مع كل موسم انتخابي جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.