الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ساعات أساتذة الابتدائي بين مؤقتٍ صار دائمًا وإنصافٍ ما زال مؤجَّلًا

ضربة قلم

من جديد، يعود ملف ساعات عمل أساتذة التعليم الابتدائي ليشعل النقاش العمومي والنقابي، وليكشف عن إحدى المفارقات الكبرى التي ترافق المنظومة التربوية المغربية منذ عقود. فالأساتذة الذين يفترض أنهم يؤسسون لمرحلة أساسية في حياة التلميذ، ويضعون اللبنات الأولى للتعلم، يجدون أنفسهم محاصرين بجدولة زمنية ثقيلة تصل إلى 30 ساعة أسبوعيا، في وقتٍ يشتغل فيه زملاؤهم في السلك الإعدادي بـ 24 ساعة فقط، وينخفض العبء أكثر في الثانوي التأهيلي إلى 21 ساعة.

هذه المفارقة جعلت العديد من المتتبعين يصفون الوضع بـ”التمييز الصارخ” و”الإجحاف غير المبرر”، خاصة وأن المهام التربوية لأساتذة الابتدائي ليست أقل أهمية، بل قد تكون أكثر حساسية، لأنها تتعلق بتلقين أبجديات القراءة والكتابة والحساب، وترسيخ السلوكيات والقيم، وهي مسؤوليات تقتضي جهدا نفسيا وتربويا هائلا لا تقاس فقط بعدد الساعات داخل الفصل.

الجذور التاريخية للإشكال

العودة إلى التاريخ تكشف أن المسألة ليست نابعة من رؤية تربوية أو بيداغوجية، وإنما من قرار سياسي ومالي بحت. ففي عام 1983، وجدت الدولة نفسها أمام أزمة مالية خانقة، وقررت آنذاك فرض ما سُمِّي بـ”الساعات التضامنية المؤقتة”، والتي أُضيفت إلى جدول عمل أساتذة الابتدائي لاعتبارات مرتبطة بتقليص النفقات والبحث عن حلول سريعة لمعضلة الخصاص في الموارد البشرية.

المفارقة أن هذا الإجراء، الذي وُصف بالمؤقت، تحوّل بمرور السنوات إلى وضع دائم، واستقر كجزء من النظام، رغم أن الظرفية التي فرضته قد تغيرت كليا. وهو ما يدفع النقابات التعليمية اليوم إلى المطالبة بإنصاف الأساتذة وإلغاء هذا “التركة الثقيلة” التي أصبحت عبئا لا مبرر له.

المطلب النقابي: من المؤقت إلى الدائم

النقابات ترى أن تخفيض ساعات عمل أساتذة الابتدائي إلى 24 ساعة أسبوعيا ليس مجرد مطلب فئوي، بل خطوة منطقية نحو تحقيق العدالة بين مختلف أسلاك التعليم. فكيف يُعقل أن يظل الابتدائي مثقلاً بساعات إضافية دون سند تربوي أو بيداغوجي، في حين يستفيد السلكان الآخران من تخفيف واضح؟

إضافة إلى ذلك، فإن تخفيض الساعات، وفق رأي النقابات، سيساهم في:

  • تحسين جودة التعليم عبر منح الأساتذة فسحة للتحضير للدروس ومواكبة المستجدات التربوية.

  • تقليص الضغط النفسي والإرهاق، خاصة وأن الابتدائي يرتبط بأقسام مكتظة وبأطفال في مرحلة عمرية حساسة تتطلب جهداً مضاعفاً في الانتباه والصبر.

  • خلق نوع من التوازن داخل المنظومة، بما يتيح للأساتذة استعادة الشعور بالإنصاف والاعتراف بدورهم الحيوي.

وجهة نظر أخرى: هل التخفيض ممكن؟

لكن في المقابل، هناك من يحذر من أن أي تخفيض للساعات يجب أن يُدرس بعناية، حتى لا يؤدي إلى خصاص جديد في الموارد البشرية أو إلى انخفاض في عدد الحصص الموجهة للتلاميذ. فالمسألة، بالنسبة للبعض، ليست بسيطة ولا يمكن حلها بقرار إداري سريع. إذ يتطلب الأمر رؤية شمولية لإصلاح المدرسة العمومية، تأخذ بعين الاعتبار حجم الأقسام، البنية التحتية، المناهج، والتوزيع العادل للأساتذة.

بُعد رمزي ونفسي

لا يتوقف النقاش عند الجانب المادي أو التنظيمي فقط، بل يتعداه إلى البعد الرمزي. فشعور أساتذة الابتدائي بالغبن وعدم المساواة خلق حالة من الإحباط الجماعي داخل هذه الفئة، التي ترى نفسها “مظلومة تاريخياً”، رغم أنها تمثل أساس المنظومة التعليمية. وهذا الشعور، في كثير من الأحيان، ينعكس على جودة الأداء، وعلى العلاقة بالتلاميذ، بل وحتى على صورة المدرسة العمومية برمتها.

نحو أي حل؟

اليوم، الملف مطروح بقوة على طاولة الحوار الاجتماعي بين النقابات ووزارة التربية الوطنية. النقاش محتدم، والمواقف متباينة، لكن ما يبدو واضحا هو أن الملف لن يُطوى بسهولة. فالنقابات تعتبر أن الظرفية مناسبة لإعادة طرح الموضوع بجدية في إطار الإصلاحات الجارية، بينما تفضل الوزارة الحذر في التعامل مع أي قرار قد يفتح الباب على مصراعيه لمطالب أخرى.

مع ذلك، فإن الحل الوسط قد يتمثل في تخفيض تدريجي للساعات، وربطه بإجراءات مواكبة مثل إعادة توزيع الحصص، وتوظيف أطر إضافية، والاستثمار في البنية التحتية، بما يضمن التوازن بين إنصاف الأساتذة وضمان مصلحة التلميذ.

يمكن القول في النهاية إن ملف ساعات عمل أساتذة الابتدائي ليس مجرد مطلب نقابي عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على الإنصات لمربي الأجيال، والاعتراف بأهمية عملهم في تأسيس المواطن المغربي منذ أول حرف يتعلمه. فإما أن يُحل الملف بروح العدالة والإنصاف، وإما أن يظل شاهداً على سياسة “المؤقت الدائم” التي تميزت بها الكثير من القرارات في تاريخ التعليم المغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.