دفاتر قضائية

سرقوه وهو كيختار السيمانة… وكاميرا المحل صورتو بحال فـ فيلم قصير بلا جوائز!

ضربة قلم

في مراكش، وتحديدًا بحي المسيرة الثانية، حيث الأحياء تراقب بعضها البعض أكثر مما تفعل الكاميرات، وقعت واقعة لا يمكن وصفها إلا بأنها من إنتاج خيالي ساخر، لكن مع الأسف حقيقية حدّ الوجع… أو الضحك الأسود، على حسب الزاوية التي تنظر منها.

القصة تبدأ عند واحد من أولئك المواطنين البسطاء، قرر أن يوقف عربته النفعية، ويقوم بما يقوم به يوميًا: يقتني مواد بناء من محل معروف في الحي. عادي، نهار آخر في المغرب. لكن ما لم يكن يعلمه هذا المسكين أن هناك من كان يتربص به من بعيد، راكبًا دراجة نارية عتيقة يبدو أنها عاشت أيامًا مجيدة خلال التسعينات، قبل أن تتحول إلى وسيلة نقل رسمية للصوص الزمن الجديد.

المفاجأة؟ لا. لم تكن كاميرات داخل سيارته التي رصدت الفاعل. لأنه ببساطة، وحتى هذه اللحظة، لا يزال عدد مهم من المغاربة يعتقد أن الكاميرات توضع فقط في المحلات والبنوك، وأن السيارة مكان آمن، ما دامت “المفاتيح فجيبو” و”السيكيريتي ديال الباب خدام”. يا حسرة!

السارق، أو لِنقل الفنان التشكيلي المختص في رسم الفراغات الأمنية، لم يكن شابًا متهورًا أو صبيًا ضائعًا، بل رجلًا ناضجًا، في الخمسينات من عمره، يتقن فن الدخول والخروج كما لو كان في تمرين يوغا سريع، انسلّ داخل السيارة كما تنسل القطط من تحت موائد العزاء، وانتزع مبلغًا ماليًا “هامًا” – طبعًا لا أحد يخبرنا كم هو “الهام”، لأننا في المغرب نحب الغموض ونكره التصريح.

الضحية، حين عاد ووجد السيارة “نقية نضافة الفار”، لم يستوعب ما وقع. بدأ في حركات لا إرادية: تفتيش الجيوب، إعادة فتح الباب مرتين كأنه يبحث عن زر سحري يُرجع المال، ثم توجه إلى الكاميرات المثبتة في واجهة المحل. وهناك كانت الصدمة: المشهد مصور بدقة، المجرم واضح الملامح، العملية تمت في زمن قياسي، لدرجة أن السائق ربما لم يُكمل حتى اختيار نوع “السيمانة” التي سيقتنيها.

وها هنا نصل إلى جوهر الموضوع: الكاميرات داخل السيارات، يا ناس!
لماذا ننتظر أن يُسرق أحدنا، أو يُكسر زجاج عربته، أو يُنتشل هاتفه من النافذة، حتى يبدأ في التفكير في “شراء كاميرا”، بل وحتى حين يشتريها، يُركبها في وضعية تُصور فقط وجهه وهو يغني في الزحام بدل أن تصور اللص وهو يحوم كالغراب حول السيارة!

السرقات من داخل السيارات لم تعد حدثًا نادرًا ولا حتى ظاهرة موسمية، بل أصبحت جزءًا من الروتين الحضري. في حي المسيرة؟ عادي. في الأحياء الراقية؟ عادي. في ساحة عمومية أمام مقاطعة؟ عادي جدًا. اللص اليوم لا يهمه المكان، يهمه فقط أن تكون منشغلًا بهاتفك أو مشغولًا بعدّ “الصرف”، أو ـ وهذا هو السيناريو المفضل ـ تتسوق بثقة وأبواب سيارتك مغلقة ولكن غير محصنة.

الكاميرات اليوم لم تعد رفاهية، بل ضرورة. تمامًا كشراء قفل إضافي للباب، أو التأكد من وجود العجلة الاحتياطية. بعض السيارات الفخمة تأتي مجهزة بكاميرات في كل الاتجاهات، ومع ذلك يتم اقتحامها وكأنها “كراج مفتوح في عيد العرش”. فما بالك بسيارة نفعية بـ”كونطرا” منذ 2004؟

وحتى حين تكون الكاميرات موجودة، تظل هناك المعضلة الكبرى: ما الفائدة من التصوير إن لم تكن هناك متابعة حقيقية؟ كم من سارق تم رصده؟ وكم منهم تم القبض عليه بالفعل؟ وكم مرة يتم حفظ الفيديوهات “فلاش” داخل هواتف أصحابها دون أن تتخذ فيها الشرطة أي إجراء لأن “الشكوى بلا فائدة”؟

ولنعد للمشهد الأصلي: حي المسيرة، دراجة نارية، رجل خمسيني، سرقة أنيقة، كاميرا ترصد، وضحية مكلوم.
هذا المشهد ليس استثناءً، بل أصبح قاعدة.
الاستثناء الوحيد؟ أن اللص لم يبتسم للكاميرا وهو يغادر.

هل نلوم الشرطة؟ السكان؟ الضحية؟ أم اللص الذي صار هو الآخر يشكو من غلاء المعيشة و”قلة الخدمة” ويبرر لنفسه أن ما يفعله مجرد “اقتسام عادل للثروة”؟

الواقع أن الكل مسؤول: المواطن الذي يركن سيارته كأنه يركن “عربة خضرة”، والشرطة التي لا تُكثر الدوريات إلا في أوقات الانتخابات، والبلدية التي لا تنظم حركة السير ولا تُنير الأزقة المظلمة، واللص الذي صار يتصرف وكأن المدينة كلها في ملكيته.

ولذا، قبل أن تذهب لتشتري “سيمانة” أو شكاير إسمنت… فكر جيدًا في كاميرا، أو في قفل ذكي، أو على الأقل في أن لا تترك المال في “تابلو” السيارة كأنك تضعه صدقة.

أما السارق؟
فهو الآن ربما يشاهد الفيديو على “فايسبوك” ويضحك قائلا:
“شحال د الكاميرات مزال خاصهم باش يردّوني بطال!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.