سطات.. مدينة تحت عدسة “تاصوحافيت”: حين تتحول كاميرا العرس إلى بطاقة صحفي!

ابو أيوب/ ضربة قلم
من كان يظن أن مدينة بحجم سطات، بتاريخها ومؤسساتها وناسها، ستغدو مسرحًا مفتوحًا لظاهرة “تاصوحافيت”، حيث تتداخل مهنة الصحافة مع مهنة “النكافة”، ويصير مصور الأعراس هو نفسه مراسل القناة الإلكترونية، والميكروفون يتقاسمه المهني والدخيل، والشارع هو الأستوديو الدائم؟
من صحفي إلى “صوحافي”: رحلة الانتحال بلا تذكرة
في شوارع سطات، لم يعد مفاجئًا أن ترى شخصًا يحمل كاميرا أو هاتفًا ذكيًا، يركض خلف مسؤول أو يوقف المارة بأسئلة مبتذلة، يطلب “تصريحًا” ويبيع “روبورتاجًا”، دون أن يتوفر على بطاقة مهنية أو حتى على موقع إلكتروني يخضع لقانون الملاءمة. هؤلاء الدخلاء، كما يسميهم الصحافيون المهنيون، لا يعترفون بالقوانين ولا بالضوابط الأخلاقية للمهنة، ويعتبرون أن الصحافة مهنة “فُرجوية”، يمكن ممارستها مثلما يُمارس فن التصوير في الأعراس.
بل الأخطر من ذلك أن بعضهم لا يتردد في استغلال سلطته الوهمية لابتزاز التجار والمواطنين، أو بيع الصور بـ10 دراهم للقطعة، وكأننا في “سوق صور” لا علاقة له لا بحرية الإعلام ولا بالحق في المعلومة.
باشا المدينة.. عدسة مفتوحة ودعوات للفرجة
في قلب هذه المعمعة، يتحول باشا المدينة، حسب شهادات مهنية، إلى راعٍ رسمي لظاهرة “التصوير المفتوح”، حيث لم تعد حملات تحرير الملك العمومي تمر إلا وهي محاطة بكاميرات مختلفة المصادر، بعضها يحمل شعارًا صحفيًا، وبعضها الآخر يحمل بقايا “ديكورات أعراس” تمت إعادة تدويرها.
النتيجة؟ فوضى إعلامية لا مثيل لها، إذ تذوب الحدود بين المهني والدخيل، بين الصحفي والمحتال، بين من يحمل هم الخبر ومن يلهث خلف “البوز” واللايكات. في هذا السياق، لا غرابة أن ينسحب عدد من الصحافيين الحقيقيين من تغطية أنشطة عمالة الإقليم، احتجاجًا على هذا “المسخ الإعلامي” الذي لا يحترم لا المهنة ولا المهنيين.
ساكنة سطات.. ضحايا عدسة عشوائية
وسط هذا الهرج، لم تعد الساكنة مجرد متفرجة. فقد وجد المواطن البسيط نفسه مادة إعلامية دون استئذان، تُنشر صوره في تقارير مفبركة، أو تُعرض للبيع علنًا بثمن زهيد، كما لو أن كرامته أصبحت مشاعًا رقميًا في أسواق “المحتوى الرخيص”.
ما ذنب المواطن الذي خرج لقضاء غرضه أو عبر عن رأيه بعفوية، ليجد وجهه يعرض في مواقع لا تحترم حتى الحد الأدنى من المهنية؟ وهل يحق لأي كان أن يصوّر الناس ويستغل صورهم في محتوى ربحي، دون احترام لخصوصيتهم ولا لقانون الصحافة والنشر؟
مهنة من لا مهنة له.. حين يفقد الصحفي هويته
لعلّ أكثر ما يؤلم في هذا المشهد هو أن الصحفي المهني، الحاصل على بطاقة المجلس الوطني للصحافة، والذي يشتغل وفق القوانين ويؤدي واجباته، يُعامل اليوم كأنه “واحد من الجماعة”، يوضع في نفس الكفة مع منتحل الصفة، يُمنع من التصوير بدعوى الرخصة، بينما الآخرون يسرحون ويمرحون في الإدارات والمقاطعات والمستشفيات، بلا حسيب ولا رقيب.
فهل من المنطقي أن يستمر هذا العبث، وأن تتحول الصحافة من مهنة نبيلة إلى وسيلة للارتزاق؟ وأين هي السلطات الوصية، التي يُفترض بها أن تُميز بين العمل الصحفي الجاد والمحتوى العشوائي الذي يُشوه صورة المدينة وساكنتها؟
النداء الأخير.. إلى العامل
كل الأنظار تتجه اليوم إلى عامل الإقليم، الذي يملك وحده مفاتيح إعادة الأمور إلى نصابها، عبر توجيه تعليمات صارمة للمصالح المختصة من أجل تنظيم قطاع الصحافة المحلية، ومراقبة من يسمح لهم بولوج الإدارات وتصوير الأنشطة، وتفعيل القانون في حق كل منتحل صفة أو متلاعب بأعراض الناس وكرامتهم.
فحرية الصحافة لا تعني الفوضى، والحق في الإعلام لا يعني ابتزاز الناس، والعمل الصحفي لا يُختزل في كاميرا موجهة صوب أي حدث دون تحليل أو احترام للسياق
خاتمة
سطات ليست مدينة صغيرة لكي تتحول إلى ملعب للهواة. هي عاصمة الشاوية، بتاريخها الثقافي والسياسي، وبإعلامييها الذين صنعوا أسماء وراكموا تجارب. وإكرام الصحافة، لا يكون إلا بتحريرها من الدخلاء، وحمايتها من “الصُّوحافيين” الذين شوهوا وجه المهنة وأهانوا كرامة الحرفيين الحقيقيين.
فهل ننتظر كارثة إعلامية جديدة لنتحرك، أم نعلن أخيرًا أن “الصحافة مهنة، وليست حفلة زفاف”؟




