
محمد صابر
بقلوب يعتصرها الأسى، علمنا منذ قليل أن الصحفي والشاعر سعيد عاهد قد غادرنا، في هدوء يشبهه، ودون أن يقول لنا كلمة وداع. رحل كما عاش في سنواته الأخيرة: بعيدًا عن الضجيج، متخففًا من الأضواء، مكتفيًا بظلّه، وبما تبقى من ذاكرة وأصدقاء.
آخر مكالمة هاتفية جمعتنا به، تعود إلى ما قبل أكثر من شهرين. كان صوته هادئًا، متعبًا بعض الشيء، لكنه لم يشتكِ. لم نكن نعلم، أنها ستكون الأخيرة. أما آخر لقاء مباشر، فيعود إلى أزيد من سنة، منذ أن اختار مسقط رأسه الجديدة ملاذًا له، وفضّل العزلة الصامتة، على عالمٍ لم يعد يشبهه كثيرًا.
تعرفنا على سعيد عاهد في بداية التسعينيات، زمن كانت فيه الصحافة، أكثر شغفًا وأقل حسابًا، وكان فيه الحلم اليساري، لا يزال يحتفظ ببعض حرارته. آنذاك كان يشغل منصب رئيس تحرير يومية “ليبراسيون” الناطقة بالفرنسية، الجريدة التي لم تكن مجرد منبر إعلامي، بل فضاءً سياسيًا وثقافيًا وفكريًا، ومرآة لمرحلة كاملة من تاريخ المغرب المعاصر.
جاء سعيد عاهد إلى “ليبراسيون” بدافع الانتماء السياسي والقناعة الفكرية، لا بحثًا عن مصلحة شخصية ولا طمعًا في موقع أو امتياز. قبل ذلك، كان موظفًا بوزارة الخارجية، وهو خريج المدرسة الوطنية للإدارة بالرباط، ما كان يؤهله لمسار إداري مريح وربما صاعد جدا. لكنه اختار طريقًا آخر، طريق الكلمة، بما تحمله من مخاطرة وخسارة، ومن حرية أيضًا. كان ذلك عربونًا واضحًا على أن الرجل لم يأت إلى الصحافة، لتحسين وضعيته الإدارية، ولا لوضع قدم في عالم الانتخابات أو الحسابات الضيقة، بل لأنه كان يؤمن بأن للكلمة دورًا، وأن للصحفي مسؤولية أخلاقية قبل أي شيء آخر.
تقاعد سعيد عاهد من بومية الاتحاد الاشتراكي، لكنه لم يتقاعد يومًا من الكتابة ولا من التفكير. كان يكتب بالعربية والفرنسية بسلاسة العارف، لا استعراضًا ولا تكلّفًا، بل لأن اللغتين، كانتا جزءًا من تكوينه ومن روحه. في نصوصه الصحفية، كما في قصائده، كان حاضرًا ذلك الحس الإنساني العميق، وذلك الميل إلى التأمل أكثر من الإدانة، وإلى السؤال أكثر من الجواب الجاهز.
قلبه لم يكن يعرف الحقد. وهذه ليست عبارة مجازية في سياق رثاء، بل حقيقة يعرفها كل من اشتغل معه أو اختلف معه. كان سريع النسيان لسوء التفاهم، يميل إلى الصفح، ويؤمن أن الزمن أقوى من الضغائن الصغيرة. لم يكن صداميًا، ولا باحثًا عن المعارك، وكان يفضّل دائمًا أن يمرّ بهدوء، حتى حين يكون في موقع المسؤولية.
للراحل عدة إصدارات، خاصة باللغة الفرنسية، في الشعر أساسًا، حيث كان يرى في القصيدة ملاذًا آخر، أقل قسوة من الواقع وأكثر صدقًا. نتذكر جيدًا أننا كنا من أوائل من أعلنوا، خلال تسعينيات القرن الماضي، عن صدور أول ديوان شعري له باللغة الفرنسية.
في زمن كانت فيه الكتابة الشعرية بالفرنسية، فعل جرأة واختيارًا ثقافيًا واعيًا، لا مجرد امتداد لغوي. في شعره، كان سعيد عاهد قريبًا من الإنسان البسيط، من الهامش، من الأسئلة الوجودية الصغيرة التي لا تثير العناوين الكبرى، لكنها تؤرق الضمير.
في سنواته الأخيرة، كان يمشي في الظل. انسحب بهدوء من المشهد الإعلامي والثقافي، دون ضجيج ودون شكاية. لم يكن يحب الظهور، ولم يكن يسعى إلى التكريم أو الاحتفاء، وإن ناله تكريم مستحق بمدينة المحمدية، – كان قد استقر فيها طيلة مشواره الصحفي- بمبادرة من الفاعل الجمعوي محمد وهابي. ومع مرور الوقت، لم ينسحب صامتًا، بل خفّ حضوره تلقائيًا، كما يفعل من أدّى ما عليه في صخب المراحل الأولى، وترك للكلمة أن تعيش بعيدًا عن الاستعراض، دون أن ينقطع عنها إبداعًا أو إصدارًا.
برحيل سعيد عاهد، نفقد صحفيًا من جيل نادر، جيل آمن بالصحافة كرسالة، وبالشعر كضرورة، وبالسياسة كقيمة أخلاقية، قبل أن تكون سلطة. نفقد إنسانًا بسيطًا في مظهره، عميقًا في أثره، حضوره كان خفيفًا، لكنه صادق.
رحم الله سعيد عاهد، وأسكنه فسيح جناته.
العزاء لأسرته الصغيرة والكبيرة، ولكل من عرفه، ولكل من قرأه، ولكل من سيكتشفه متأخرًا في نصٍ قديم أو قصيدة منسية… فبعض الرجال لا يرحلون تمامًا، بل يختفون قليلًا، مثل ظلٍّ يعرف طريقه جيدًا.




