سفيان البقالي… العداء الذي يركض بينما الوطن يعرج بشيشة في يده

ضربة قلم
في زمن كثر فيه الحديث عن ارتفاع الأسعار وسقوط القيم، وقلّ فيه من يركض وراء المجد دون أن يكون أحدٌ قد طبع اسمه على شيك، يطل علينا سفيان البقالي، لا من فوق “بنش مارك” ولا من بوابة وزارة الشباب والرياضة، بل من موناكو، ومن منصة التتويج تحديدًا، ليذكرنا بأن المغرب لا يُذكر فقط في محاضر الفيفا والنيابة العامة، بل أيضًا في حلبات الذهب.
نعم، سفيان فاز. مرة أخرى، وكأن الأمر صار عادة، لكنه في الحقيقة لا يتكرر كثيرًا في بلاد تعاني من فقر مزمن في صيانة الإنجازات، وفائض في تسييس حتى الركض. سباق 3000 متر موانع؟ العنوان يبدو كأنه مقتطف من جلسة برلمانية، لكنه في الواقع اختبار حقيقي للياقة الدماغ والعضلات، ولا مكان فيه للتصفيق العشوائي أو التصريحات الفارغة.
البقالي جرى وكأن شيئًا لا يعيقه، لا موانع ولا أعذار، لا ندوة صحفية ولا “بلوكاج تقني”. ركض كأن الوطن خفيف على كتفيه، لا يحمله كعبء، بل يرفعه كراية. زمنه؟ 8 دقائق و3 ثوان و18 جزءًا من الثانية. ولو أردنا ترجمة هذا الرقم إلى السياق المحلي، فهو يعادل المدة التي يحتاجها مسؤول منتخب ليتذكر الوعود التي أطلقها في الحملة الانتخابية… لكنه غالبًا لا يتذكر.
أما خلفه، فقد جاء الياباني ميورا غيوجي، عداء محترم، شرب الشاي الأخضر وركض بكل أناقة. وجاء بعده الكيني سيريم إدموند، لأن الكينيين لا يحبون المركز الرابع، ويتركونه للمغاربة إذا قرروا المشاركة مرتين في نفس السباق. صلاح الدين بن يزيد، الشاب المغربي الآخر، حل رابعًا. رابعًا فقط؟ لا بأس، في المغرب نحتفل حتى بالرتبة ما قبل الأخيرة إذا جاءت مصحوبة بنبرة وطنية.
ما أجمل أن ترى مغربيًا في المنصة، لا يطالب بزيادة في المنحة، ولا يحتج على التحكيم، بل يركض… ويركض… ويصل. لا صفقة مشبوهة في الخلفية، ولا “سونطر كور” ينتظر لجنة تفتيش. فقط عرق، وموهبة، وقلب ينبض بالعلم الوطني، لا بالعَلم الآخر ولا بالعِلم المزيف.
المفارقة أننا نملك في هذا البلد قدرة خارقة على إنتاج الأبطال في الرياضات التي لا تمولها التلفزة، ولا ترعاها شركات أخنوش، ولا تلتفت إليها وزارة الشباب إلا إذا قررت تحويلها إلى لقاء صحفي. نحن لا نصنع الأبطال، نحن نُفاجأ بهم، مثلما نفاجأ أحيانًا بتساقط المطر في عز الجفاف.
سفيان البقالي هو ذلك النوع النادر من المغاربة الذين لا ينتظرون صورة مع الوزير، ولا بوست فيسبوكي من الناطق الرسمي. هو صورة لوطن يُمكن أن يكون أفضل، لو فقط تعامل مع الموهبة كما يتعامل مع المهرجانات: ميزانية، ترويج، وكرم إعلامي. لكن لا بأس، فالبقالي لا يحتاج لذلك، هو يعرف الطريق إلى المنصة، كما يعرف البقية الطريق إلى الاستوديوهات.
وفي الأخير، وبينما كانت القنوات “الوطنية” تنقل إعادة مباراة بلا جمهور أو تبثّ مسلسلاً تُجمد فيه الأحداث في كل مشهد، كان بطلنا هناك، في موناكو، يصنع الحدث… لا بكاميرات الطاقم الصحفي الرسمي، بل بقدميه، وخطواته، وقلبه.
هنيئًا لنا بسفيان، عداء مغربي لا يخذل، وإن خذلناه إعلاميًا ومؤسساتيًا مراتٍ كثيرة.




