سفينة “باب الرواح” تتصدع… ورحيل المرأة الحديدية يفجّر مخاوف داخل وزارة برادة

ضربة قلم
تعيش وزارة التربية الوطنية في الأسابيع الأخيرة على إيقاع زلزال إداري غير مسبوق، زلزال لم يعد خافيًا على العاملين داخل القطاع، بعد أن بدأت “الأسماء الثقيلة” التي كانت تشكل الأعمدة غير المرئية للقرار تغادر الوزارة الواحد تلو الآخر، كما لو أنها سفينة توشك على الغرق. آخر الراحلين، كانت المستشارة التي اشتهرت بلقب “المرأة الحديدية”، إحدى أبرز الوجوه التي جلبها شكيب بنموسى ذات يوم لتسيير ملفات حساسة، وعلى رأسها صفقات المدرسة الرائدة.
رحيل يثير علامات استفهام… وقلقًا داخل الأكاديميات
وفق مصادر إعلامية، فإن المستشارة النافذة، التي لعبت دور “عرابة الصفقات” داخل الوزارة، غادرت منصبها فجأة وبصمت مطبق، تاركة خلفها فراغًا واسعًا وحالة ارتباك بين مديري الأكاديميات. هؤلاء الذين اعتادوا على تلقي تعليمات منها عبر رسائل “الواتساب”، وجدوا أنفسهم اليوم أمام مشهد جديد:
لا تعليمات، لا توجيهات، ولا من يتحمل مسؤولية ما كان يتم توقيعه خارج المساطر الرسمية.
ورحيلها جاء بعد أسابيع قليلة من مغادرة مستشارة أخرى، ومع وضع ثلاثة مسؤولين كبار داخل الوزارة طلبات إعفائهم، تحوّل الأمر من “صدفة إدارية” إلى نزيف هيكلي يطرح أسئلة ملحّة حول ما يجري داخل “المطبخ الداخلي” لباب الرواح.
المفتش العام… المستفيد الأكبر من الرحيل
تشير المعطيات نفسها إلى أن المفتش العام للوزارة، يحاول استثمار حالة التصدع الداخلي لصالحه، بهدف انتزاع منصب الكاتب العام عبر مباراة “شكلية” لا تخطئها قراءة الداخل. الرجل، الذي عاش تجارب عصيبة داخل البرنامج الاستعجالي وارتبط اسمه بعدة فضائح مالية في تقارير نقابية وقضائية، يبدو اليوم أكثر قربًا من تحقيق حلمه الإداري، مستفيدًا من حالة الارتباك والبحث عن “منقذ” وسط الغموض الذي يلف قطاع التربية.
صفقات المدرسة الرائدة… ملف ساخن لا يرغب أحد في لمسه
تؤكد المصادر أن رحيل “المرأة الحديدية” كشف هشاشة كبيرة في تدبير صفقات المدرسة الرائدة، خصوصًا ملف طبع المقررات، الذي عرف نفخًا مخيفًا في الكميات، مقارنةً بما تحتاجه المؤسسات التعليمية فعليًا.
عدد من الأكاديميات توصلت بكميات أقل بكثير من المعلن، فيما اختفت شحنات كاملة دون تفسير. والأسر وجدت نفسها مجبرة على اللجوء إلى الفوطوكوبي لشهرين كاملين رغم أن الوزارة سجّلت مقررات “موزعة” على المنصة.
أما التقارير التقنية التي أنجزتها مفتشية التموين، فقد تم تجميدها خوفًا من التسريب أو وصولها للبرلمان، لأن ما تتضمنه، وفق المصادر، أخطر مما ظهر للعلن.
ضعف الحاكمية… والوزير الغارق في فضيحة الأدوية
الوزير برادة، الذي يعاني أساسًا من ارتدادات فضيحة صفقات الأدوية، بات اليوم، حسب موظفين من داخل ديوانه، “رجلًا محاطًا بالألغام”.
اختلالات المدرسة الرائدة، تلاعبات المقررات، رحيل المستشارات، الصراع الصامت بين الديوان والمفتشية العامة… كلها ملفات تراكمت فوق مكتبه، دون أن يستطيع الإمساك بخيوطها.
وتؤكد المصادر أن الوزير أصبح فاقدًا للقدرة على التحكم في الانحراف الخطير الذي تعرفه سكة المدرسة الرائدة، إذ لم يفتح أي تحقيق داخلي حقيقي حول اختفاء المقررات أو النفخ في صفقات الطبع، تاركًا المجال لـ“الموظفين النافذين” يحسمون الأمور وفق مصالحهم.
الأكاديميات… في انتظار من يملأ الفراغ
مديرو الأكاديميات الذين كانوا “يأتمرون” بتعليمات المستشارة عبر رسائل قصيرة، وجدوا أنفسهم اليوم أمام فراغ قيادي حقيقي:
-
لجان التنسيق المركزية توقفت.
-
التعليمات أصبحت متضاربة بين الديوان والمفتشية العامة.
-
الخوف من المتابعات دفع بعض المسؤولين إلى رفض توقيع أي صفقة دون مراسلة رسمية مكتوبة.
الوضع، وفق نفس المصادر، يعيد إلى الأذهان سيناريو البرنامج الاستعجالي بكل تفاصيله:
قرارات فوقية، صفقة تتبعها أخرى، ربح سريع، ثم اختفاء مفاجئ للوجوه التي كانت تسيّر الخيوط من خلف الستار.
برلمان على الخط… ومهام استطلاعية مرتقبة
تؤكد مصادر برلمانية أن لجنة التعليم بصدد طلب مهمة استطلاعية حول صفقات المدرسة الرائدة، خصوصًا بعد وصول شكايات رسمية حول اختلالات التوزيع والطبع.
كما أن عدة مراسلات وطلبات توضيح تنتظر الوزير، دون جواب، ما يرفع منسوب الشكوك حول “ما يُخفى” داخل الوزارة.
خلاصة المشهد: وزارة بلا ربان
ما يجري اليوم داخل وزارة التربية الوطنية لا يمكن تلخيصه في رحيل مستشارة أو نزيف مناصب عليا.
المشهد أكبر من ذلك وأخطر:
-
صفقات مشبوهة تخرج إلى العلن.
-
برامج تتعثر في منتصف الطريق.
-
وزير محاصر بملفات ثقيلة.
-
مفتش عام يصعد بسرعة في غياب أي رقابة.
-
أكاديميات تشتغل بلا توجيه.
-
أسر تتخبط في غياب المقررات.
-
و“المرأة الحديدية” التي كانت تحرك الخيوط اختفت، تاركة وراءها أسئلة مفتوحة.
ويبقى السؤال الذي يتردد اليوم داخل الدواوين وعلى ألسنة العاملين في القطاع:
إلى أين تتجه سفينة باب الرواح… ومن يمسك فعليًا بمقود التعليم في المغرب؟




