سقوط ديناصور بني ملال: نهاية أطول رئيس في تاريخ الجماعة!

ضربة قلم
في بلد يُفترض أن يَحكمه القانون، نجد أنفسنا مرارًا أمام مسرحيات لا يُحسن إخراجها سوى أبناء “المدرسة القديمة” للفساد، أولئك الذين تمرسوا في تذويب المال العام كما يُذاب السكر في كؤوس الشاي داخل مكاتب الجماعات المحلية. أحمد شدا، ليس مجرد اسم عابر في سجل السياسة المغربية، بل هو نموذج متكرر ومثير للغثيان لمسؤول ينهل من معين الثقة الشعبية ليرتوي من نهر الامتيازات، ثم ينقلب عليها كمن انقض على مائدة لم يدفع فيها فلسًا واحدًا.
تخيلوا معنا المشهد، قاعة التحقيق بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم طويل ثقيل من الاستماع والتدقيق، بدأ من الصباح حتى الثامنة مساءً، ليس لأنهم يحققون في تفجير نووي أو اختراق إلكتروني، بل فقط لأن الأمر يتعلق بما تبقى من أمل المواطنين في أن يروا يوما العدالة وهي تتجول بحرية في ردهات القضاء، لا مقيدة بتعليمات أو محاصرة بالأجندات السياسية. شدا لم يكن مجرد موظف صغير ضاع في دوامة التسيير، بل كان رئيسا للجنة الداخلية بمجلس المستشارين، أي رجل المفاتيح الخلفية، وفوق ذلك رئيسا لجماعة بني ملال، ونائبا برلمانيا قبل أن تُجرده المحكمة الدستورية من تلك الصفة بعد أن اتضح بما لا يدع مجالًا للشك أنه خان الأمانة واختار طريق التلاعب على درب تمثيل المواطنين.
قضية شدا ليست حادثا معزولا، بل جزء من سلسلة متشابكة من الرؤوس التي لا تزال تعتقد أن “المسؤولية” تعني القدرة على تدبير الصفقات وليس مراقبتها، على توزيع المنافع وليس حماية المال العام. هو شخص لم يكن وحيدا في حلبة العبث، بل رافقه موظفون ومقاولون، بعضهم في حالة اعتقال، وآخرون خرجوا في حالة سراح، ربما لأنهم “مجرد بيادق” في لعبة كبيرة تتقن كيف تخفي الآثار، وتوزع الأدوار، وتعد خطة الهروب من الباب الخلفي في الوقت المناسب.
لعل الأخطر من كل ما سبق، هو كيف تم التلاعب بمشاريع تهم الساكنة، مشاريع تنموية كان من المفترض أن تغير وجه بني ملال وتمنح شبابها شيئا من الأمل، لكنها تحولت إلى فخاخ للميزانيات، وفواتير ملغومة، وعقود مسمومة، أدت إلى تسرب الملايير، كما يتسرب الماء من أنابيب مكسورة. المفتشية العامة لوزارة الداخلية، وهي الجهة التي يفترض أنها تتدخل عندما “يفيض الكيل”، كشفت هذه الاختلالات التي كانت معروفة بشكل همس بين أبناء المدينة، لكن لم يتجرأ أحد على رفع الصوت. التحقيقات كشفت ما كان يُقال في المقاهي وعلى جنبات الأرصفة، حين يتحدث المواطن عن شوارع مقلوبة ومشاريع وهمية، ثم يُصَفِر الجالسون من حوله قائلين: “خلي عليك الصداع، راك كتهدر على مولا نوبة”.
نعم، “مولا نوبة”، هو ذاك السياسي الذي ظن أن دوره أن يسير الجماعة كما يسير زبون دائم حانة اعتادها، يعرف من يدخل ومن يخرج، من يأكل ومن يدفع الفاتورة. لكن اللحظة الحاسمة أتت، اللحظة التي تحوَّل فيها صاحب النوبة إلى متهم أمام الوكيل العام، ثم إلى معتقل بأمر من قاضي التحقيق. هي لحظة فاصلة في مسيرة لم يكن ينقصها سوى الختم القضائي، ليتم توثيقها كواحدة من الحلقات المكرورة التي تُثبت أن لا أحد فوق القانون، حتى ولو ظن لنفسه ذلك.
القصة لا تقف هنا، لأن هناك مقاولين ومهندسين ووسطاء، كلهم جزء من شبكة فاسدة، يجيدون اللعب على الحبال، يعرفون متى يُسجل المشروع، ومتى يُنفذ منه القليل، ومتى يتم دفنه تحت غلاف “الإنجاز المكتمل”. إنه تحالف يجمع بين السياسي والمهني، بين الإداري والمستفيد، تحالف لا يَغريه سوى المال، ولا يَخيفه سوى انكشاف السر أمام سلطة لا تُشترى، وهي سلطة الصحافة النزيهة والقضاء النزيه، حين يجتمعا.
ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم: كم من “مولا نوبة” لا يزال يتجول حرًا، يسير فوق أكتاف المواطنين، يوزع الابتسامات في الحملات الانتخابية، ويُعدهم بالأحلام وهو يخطط للغنائم؟ كم من جماعة في المغرب تحولت إلى خزنة مغلقة بأيدٍ لا تعرف المفتاح إلا في اتجاه واحد: جيب الرئيس؟ وكم من ساكنة تُعاقب اليوم على ثقتها في أشخاص استغلوا الديمقراطية كغطاء للخديعة؟
إن قضية أحمد شدا ليست فقط محاكمة لرجل دشن حياته المهنية بمقهى، بل هي اختبار حقيقي لمدى استعداد الدولة المغربية لمحاربة الفساد من جذوره، لا فقط بإلقاء القبض على بعض الرؤوس، بل بإعادة النظر في القوانين الانتخابية، وفي آليات الرقابة، وفي التكوين الأخلاقي لمن يُوكل إليهم تدبير المال العام. فحين يكون “مولا نوبة” هو نفسه القاضي والجلاد في مجلس الجماعة، فمن يَضمن لنا أن لا تتحول مدن بأكملها إلى مقاطعات خاصة بمنطق الغنيمة؟
فلننتظر الحكم، ولكن قبل ذلك، لنعترف أن القضية أعادت لنا مشهدًا مألوفًا من التراجيديا المغربية: مسؤول يُساءل بعد فوات الأوان، ومواطن يتحمل تبعات الخيانة، ودولة تُضطر مرارًا لإعادة رسم صورة العدالة بعد أن شُوهت على أيدي من كان يُفترض أنهم خُدامها.




