سيون أسيدون… رحيل رجل حمل فلسطين في قلب مغربي

ضربة قلم
رحل سيون أسيدون كما عاش: صامتًا في وجه الزيف، صامدًا أمام النسيان، ومخلصًا لفكرة ظلت تسكنه أكثر من نصف قرن، فكرة العدالة. لم يكن مجرد مناضل يساري، ولا ناشط حقوقي عابر، بل كان ضميرًا حيًّا يمشي على الأرض، يجهر بالحقيقة حين يسكت الجميع، ويقاوم التطبيع في زمن صار فيه الصمت عملة مقبولة في أسواق السياسة.
في صباح اليوم، السابغ من نونبر 2025، أُعلن عن وفاة سيون أسيدون، الرجل الذي عُرف بنقائه الفكري وصلابته الأخلاقية. رحل بعد أسابيع طويلة من الغيبوبة، إثر وعكة صحية ألمّت به داخل منزله بالدار البيضاء، ليُسدل الستار على مسار حافل بالتحدي والصدق والمواقف التي لا تُشترى.
ولد أسيدون سنة 1948 بمدينة أكادير، في أسرة يهودية مغربية متشبثة بجذورها الوطنية. منذ شبابه الأول، اختار أن يضع قدمه في طريقٍ صعب: طريق اليسار، حيث لا امتيازات ولا مناصب ولا أوسمة، بل قناعة راسخة بأن الوطن ليس شعارًا، بل موقف. في السبعينيات، ذاق مرارة السجن السياسي، لكنه خرج أكثر صلابة، وكأن الحديد الذي كبّلوه به صقل روحه بدل أن يقيّدها.
عرفه المغاربة بوضوحه الفطري، بملامحه الهادئة وكلماته القليلة التي كانت كالرصاص حين يتحدث عن فلسطين، عن الكرامة، عن الحرية. لم يكن يساوم، ولم يكن يبحث عن منصب أو شهرة، بل كان يقف على الرصيف بجانب الطلبة والعمال والمقهورين، رافعًا صوته ضد التطبيع، حين كان مجرد الهمس به كافيًا لتُدرج في خانة “المزعجين”.
لم يكن سيون أسيدون يرفع راية فلسطين كموضة سياسية، بل كان يعيشها في تفاصيل يومه، في مقاطعته لمنتجات الاحتلال، في كتاباته، في حواراته، وحتى في اختياره أن يظل حرًّا من كل قيد حزبي ضيق. كان من أولئك الذين يرون في الإنسانية عقيدة، وفي النضال حياة، لا وظيفة ولا ترفًا فكريًا.
ورغم غيابه الطويل في صمت الغيبوبة، ظل اسمه حاضرًا في وجدان رفاقه. كانوا يتبادلون الأخبار القليلة عن حالته بقلقٍ أبويّ، وكأنهم يخافون على ذاكرة وطن من أن تنطفئ ببطء. وعندما جاء خبر رحيله، عمّ الحزن العميق دون صراخ، لأن من عرفه يعلم أنه لم يحب المآتم ولا الخطابات الطويلة. كان يفضّل الفعل على القول، والموقف على التصفيق.
سيون أسيدون لم يكن ملاكًا، لكنه كان نادرًا في زمنٍ تلوث فيه الهواء بالمصالح. كان إنسانًا صلبًا كالصخر، ناعمًا كنسمة بحر أكادير التي حملت طفولته الأولى. عاش يهوديًا مغربيًا فخورًا بانتمائه، ومات مغربيًا كبيرًا حمل في قلبه القدس أكثر مما حملها بعض من ينامون في ظلها.
رحل سيون أسيدون، وبقيت كلماته كصدى لا يخفت:
“حين نصمت عن الظلم مرة، فإننا نمنحه رخصة للبقاء.”
وداعًا يا رجل المواقف…
نم قرير العين، فالوطن ما زال يحتاج لأمثالك، ولو بعد الرحيل.




