
م-ص
كان اسمه في الحي بسيطاً مثل حياته: سي الفايق.
رجل هادئ القسمات، قليل الكلام، يحمل دائماً حقيبة جلدية قديمة، رافقته سنوات طويلة، بين البيت والمدرسة. أربعون سنة كاملة قضاها بين السبورة والطباشير، يعلّم الأطفال الحروف الأولى، ويزرع فيهم حب المعرفة، كما يزرع الفلاح بذور القمح في الأرض أملاً في حصاد وفير.
كان يسكن رفقة زوجته، وهي أيضاً معلمة، في بيت لا يبعد سوى خطوتين عن مدرسة الغزالي.
هناك، داخل تلك المدرسة، قضى سي الفايق أجمل سنوات عمره، وهو يدرّس مادة اللغة الفرنسية لأجيال متعاقبة من التلاميذ.
كل صباح كان يخرج من البيت بهدوء، يحيي الجيران بابتسامته الخجولة، ثم يعبر الشارع القصير نحو المدرسة. لم يكن يحتاج إلى سيارة أو حافلة؛ فالمسافة بين بيته والفصل الدراسي، كانت أقصر من المسافة بين القلب وذكرياته.
داخل القسم، كان صوته يملأ المكان دفئاً.
يكتب الكلمات الفرنسية على السبورة بخط واضح، ثم يلتفت إلى التلاميذ، ويشرح لهم المعاني بصبر طويل، كأن كل طفل أمامه هو ابنه.
مرت السنوات…
وكبر التلاميذ.
بعضهم أصبح أطباء، وبعضهم مهندسين، وبعضهم حمل حقائبه وهاجر بعيداً إلى مدن، لا يعرفها سي الفايق، إلا من خلال الخرائط في الكتب المدرسية.
ومن بين أولئك الأطفال كانت ابنته أيضاً.
كبرت بين دفاتر المدرسة وكتب أبيها، وكانت تراه كل مساء، يصحح كراسات التلاميذ، تحت ضوء مصباح خافت.
كبرت… وواصلت دراستها بإصرار حتى أصبحت طبيبة.
يوم حصلت على شهادتها، وقف سي الفايق صامتاً، وعيناه تلمعان بدموع الفرح. كان يشعر أن تعبه الطويل، لم يذهب سدى.
أما ابنه، فقد حمل حلمه بعيداً.
درس واجتهد ثم غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن مستقبل أوسع. يوم سفره، عانقه والده طويلاً، وقال له بصوت هادئ:
“لا تنسَ بلدك يا بني.”
ومرت الأيام… ثم السنوات.
ثم جاء يوم التقاعد.
غادر سي الفايق مدرسة الغزالي، بعد أربعين عاماً من الطباشير والدفاتر. في ذلك اليوم، مشى ببطء عبر الساحة، التي امتلأت يوماً بضحكات الأطفال، كأن خطواته تودّع كل زاوية فيها.
عاد إلى البيت القريب من المدرسة، لكن الأيام بعد التقاعد، بدت أطول بكثير مما كان يتخيل.
كان أحياناً يخرج صباحاً ويمشي بضع خطوات فقط، ليصل إلى باب المدرسة. يقف هناك لحظات، ينظر إلى النوافذ والساحة، ويبتسم بحزن خفيف… كأن المكان كله صار ذكرى بعيدة.
تمر أمامه وجوه كثيرة لشباب أنيقين أو رجال ناجحين.
ربما كانوا يوماً تلاميذه.
ربما جلسوا في الصفوف الأمامية، وهو يشرح لهم أولى قواعد اللغة الفرنسية.
لكن الحياة تمضي سريعاً… والناس ينسون.
في جيبه ظل دائماً يحتفظ بقطعة طباشير صغيرة.
لا يعرف أحد لماذا احتفظ بها كل تلك السنوات، ربما لأنها آخر خيط ،يربطه بحياته القديمة داخل الفصل.
وكانت زوجته المعلمة تشاركه هدوء تلك الأيام، يتبادلان الذكريات عن تلاميذ الأمس، وضجيج الأقسام الذي صار اليوم صمتاً ثقيلاً.
ومع مرور الوقت، صار سي الفايق أقل خروجاً من البيت، وأكثر جلوساً قرب النافذة، التي تطل على الطريق المؤدي إلى المدرسة.
ذات صباح…
لم يخرج كعادته.
هدأت خطواته، وسكنت يداه اللتان كتبتا آلاف الكلمات على السبورة.
رحل المعلم الذي علّم أجيالاً القراءة والنطق الصحيح للكلمات،
ورحل الرجل الذي صنع من بعض تلاميذه أطباء ومهندسين ومسافرين إلى أقاصي الأرض.
لقد انتقل سي الفايق إلى جوار ربه… في صمت يشبه حياته كلها.
لكن مدرسة الغزالي، كلما امتلأت بأصوات الأطفال،
كأن جدرانها ما زالت تهمس باسمه.
أما المنزل الذي كان يسكنه مع زوجته المعلمة، فقد تحول اليوم إلى عمارة حديثة، في ظل الزحف الإسمنتي الذي يبتلع البيوت القديمة، ويغيّر ملامح الحي كله. لم يبقَ من ذكرياته سوى بعض الحجارة المشتعلة بألوان الماضي، والظل الطويل للجدران التي شهدت سنوات تعليمه، بينما تمر السيارات والمارة سريعاً، غير مدركين أن في قلب ذلك المكان عاش سي الفايق أربعين سنة من حياته، علّم الأطفال، وترك أثره في أجيال، صارت الآن بعيدة عن عتبة بيته القديم.




