الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

شبه مثقف يتعرض لسخرية لاذعة بالمحمدية: موسوعة تمشي على قدمين… لكنها لا تعرف الفرق بين الحكمة والسرقة!

ضربة قلم

في كل مدينة يوجد طبيب يعالج المرضى، وأستاذ يربي الأجيال، ومهندس يصمم البنايات، وصحافي ينقل الأخبار… لكن المحمدية، ويا لسوء حظها، ابتليت أيضاً بنوع جديد من الكائنات: “شبه المثقف الشامل”.

هذا الكائن العجيب، لا يحتاج إلى دراسة ولا إلى تكوين ولا إلى شهادات. يستيقظ صباحاً، فيكون عالم اجتماع، وبعد الزوال يتحول إلى خبير اقتصادي، وقبيل المغرب، يصبح طبيباً متخصصاً في كل الأمراض، وفي الليل، يتحول إلى فيلسوف ومؤرخ وعالم نفس وخبير في العلاقات الدولية، وربما إذا وجد الوقت الكافي أصبح أيضاً رائد فضاء!

والمثير في الأمر أن صاحبنا لا يترك موضوعاً إلا وأدلى فيه بدلوه، حتى أصبحت صفحته على “فيسبوك” أشبه بمكتب استشارات مجاني في كل العلوم والمعارف.

عند وقوع زلزال، يصبح جيولوجياً.

وعند ظهور وباء، يتحول إلى طبيب عالمي.

وعند مناقشة التعليم، يقدم نفسه كمنظر تربوي.

وعند الحديث عن المجتمع، يلبس عباءة عالم الاجتماع.

وعندما يتحدث الناس عن القانون، يصبح فقيهاً دستورياً.

إنه باختصار ذلك الشخص الذي تنطبق عليه المقولة الساخرة:

“يعرف كل شيء… إلا حدود معرفته.”

لكن الطامة الكبرى ليست هنا.

الطامة أن هذا “الموسوعي المعجزة” لا يكتب في معظم الأحيان ما ينتجه فكره، بل يتخصص في رياضة فكرية جديدة اسمها: القرصنة الأدبية.

يدخل إلى الإنترنت، يلتقط حكمة من هنا، ومقالة من هناك، واقتباساً من مكان آخر، ثم يعيد نشرها، وكأنها خرجت من رحم عبقريته الفذة.

حتى إن المرء، قد يعتقد أن الرجل يملك جيشاً من الباحثين والكتاب والمفكرين يعملون تحت إمرته!

والحقيقة أن كل ما يفعله هو الضغط على زر “نسخ” ثم زر “لصق”.

ولأن الأمر لا يحتاج إلى جهد فكري، فقد تحول صاحبنا إلى ماكينة لنشر الحكم والأقوال.

بل إن بعض متابعيه أصبحوا يعتقدون أن سقراط نفسه كان يتتلمذ على يديه!

أما الفيلسوف ابن رشد، فلو كان حياً، لربما طلب من صاحبنا، أن يمنحه بعض الدروس في الحكمة.

والأدهى من ذلك أن الرجل لا يكتفي بالقرصنة، بل يقدم نفسه باعتباره المرجع، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فهو يتحدث بثقة مخيفة عن كل شيء.

ثقة تجعلك تشك أحياناً أنك أمام الحائز على جميع جوائز نوبل مجتمعة!

غير أن الواقع شيء آخر.

فالإنسان لا يقاس بعدد الحكم التي ينسخها من الإنترنت، ولا بعدد المنشورات التي يشاركها على “فيسبوك”.

الثقافة ليست كلمات منمقة.

وليست اقتباسات جاهزة.

وليست صوراً مرفقة بجمل رنانة.

الثقافة سلوك قبل أن تكون كلاماً.

وأخلاق قبل أن تكون ادعاء.

وتواضع قبل أن تكون استعراضاً.

فالمثقف الحقيقي، عندما لا يعرف شيئاً يقول: “لا أعرف”.

أما شبه المثقف، فهو لا يعرف، ولا يدرك أنه لا يعرف، ويغضب إذا أخبرته بأنه لا يعرف!

والمؤلم أكثر أن بعض من يفترض فيهم، أن يكونوا قدوة للأجيال، يتحولون إلى نماذج معاكسة تماماً، فيصبح حديثهم في المجالس لا يتجاوز “أحاديث رأس الدرب”، وتطغى عليهم لغة السوق، والسخرية من الناس، والخوض في أمور لا تليق بمن يحمل رسالة التربية والتعليم.

ولأن الإنسان أسير أخلاقه قبل شهاداته، فإن الشهادات وحدها لا تصنع مثقفاً.

كم من إنسان بسيط، لا يحمل إلا تعليماً متواضعاً، لكنه يتمتع برقي الفكر وحسن الخلق.

وكم من صاحب شهادات طويلة وعريضة، لا يزال أسير الأمية الفكرية والسلوكية.

الأمية ليست فقط عدم القدرة على القراءة والكتابة.

هناك أمية أخطر منها: أمية الوعي.

وأمية احترام جهود الآخرين.

وأمية الاعتراف بالمصادر.

وأمية التواضع.

فمن يسرق أفكار الناس وينسبها إلى نفسه، لا يختلف كثيراً عمن يسرق ممتلكاتهم، لأن الأفكار أيضاً لها أصحابها.

وفي النهاية، يبقى صاحبنا ظاهرة تستحق الدراسة.

ليس في علم الاجتماع الذي يدعي فهمه، بل في علم النفس الاجتماعي، لفهم كيف يمكن لشخص لا يطاق، أن يقتنع بأنه خبير في كل شيء، بينما لا يزال عاجزاً عن التمييز بين الإبداع والنسخ، وبين الثقافة والاستعراض، وبين المثقف الحقيقي و”المثقف الفيسبوكي” الذي يخشى الناس عليه يوماً أن “يتفرقع” من كثرة ما يحمل في بطنه من علوم لا يعلم أحد من أين جاء بها!

ويبقى السؤال الساخر:

إذا كان هذا الرجل يفهم في الطب، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والتربية، والفلسفة، والتاريخ… فمن بقي في هذا البلد حتى يتعلم منه؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.