الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

شعيب أعبودو.. ابن المحمدية الذي اختار الرواية الفرنسية ليحكي وجع الإنسان وأسئلة الوجود

ضربة قلم

في زمن أصبح فيه الضجيج أكثر حضوراً من الفعل الثقافي الحقيقي، يختار بعض المثقفين طريقاً مختلفاً. لا يركضون خلف الأضواء، ولا يتنافسون على الميكروفونات والمنصات، ولا يحولون حضورهم إلى استعراض دائم في الندوات واللقاءات. يشتغلون في صمت، يراكمون المعرفة والتجربة، ثم يتركون أعمالهم تتحدث عنهم. ومن بين هؤلاء يبرز اسم شعيب أعبودو، ابن مدينة فضالة/المحمدية، الذي اختار أن يعلن عن نفسه، من خلال الكتابة والإبداع، لا عبر الضجيج ولا عبر الشعارات.

شعيب أعبودو واحد من أبناء المحمدية، الذين ارتبط اسمهم بالتربية والثقافة والفكر. مارس مهنة التعليم ليس باعتبارها وظيفة تؤدى في نهاية الشهر مقابل أجر، بل باعتبارها رسالة إنسانية ومعرفية، تسعى إلى بناء الإنسان وصناعة الوعي. ظل لسنوات طويلة وفياً لهذا الاختيار، متوارياً عن الأضواء، مكتفياً بعمله التربوي والثقافي، في وقت كانت فيه الساحة، تعج بأصوات كثيرة لا تترك وراءها سوى الصدى.

هو ابن حي المرسى، ذلك الحي الذي شكل مدرسة للحياة، قبل أن يكون مجرد مجال جغرافي. هناك اختلط بأبناء القصبة والنيكولا وديور الكرم وديور دكالة وديور القراعي، كما تقاسم مقاعد الدراسة، بثانوية ابن ياسين مع أبناء العالية وغيرهم من أبناء المدينة. ومن هذه البيئة المتنوعة والغنية بالتجارب الإنسانية، استمد جزءاً كبيراً من رؤيته للعالم وللإنسان، وهي الرؤية التي ستجد طريقها لاحقاً إلى أعماله الأدبية.

لسنوات طويلة ظل شعيب أعبودو يكتب بصمت. لم يكن يبحث عن الاعتراف السريع، ولا عن الشهرة العابرة. وحين قرر أخيراً أن يتحدث، لم يفعل ذلك عبر تصريحات أو منشورات عابرة، بل عبر الأدب. فجاءت روايته الأولى “المحتضر”، الصادرة سنة 2023 باللغة الفرنسية، لتشكل الإعلان الحقيقي عن ميلاد صوت روائي جديد، يحمل هواجس إنسانية عميقة وأسئلة وجودية مؤرقة.

في “المحتضر”، يأخذنا الكاتب إلى عالم قاتم ومؤلم، حيث يتابع القارئ رحلة سقوط شاب في متاهات التهميش والفقر والعنف والضياع. إنها رواية تلامس الجراح المفتوحة للمجتمع المغربي والعالمي في آن واحد. البطالة، الإقصاء، الهجرة السرية، انهيار الأحلام، البحث عن المعنى… كلها قضايا حاضرة بقوة داخل هذا العمل الذي لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يحاول الغوص في أعماق النفس البشرية، وهي تواجه أقسى اختبارات الحياة.

البطل ليس مجرد شخصية روائية، بل هو صورة رمزية لجيل كامل، وجد نفسه محاصراً بين واقع قاسٍ ومستقبل غامض. ومن خلال رحلته المأساوية من الهامش إلى الهجرة السرية، ومن الحلم الأوروبي إلى الانكسار الوجودي، يطرح الكاتب أسئلة صعبة حول العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ومعنى الوجود.

وقد لفتت الرواية الانتباه إلى قدرة صاحبها على المزج بين الواقعية الاجتماعية والتأمل الفلسفي، وبين السرد الروائي والشاعرية الأدبية، وهو ما منح النص عمقاً خاصاً، جعله يتجاوز مجرد الحكاية، ليصبح تأملاً في مصير الإنسان المعاصر.

غير أن شعيب أعبودو، لم يتوقف عند هذا الحد. ففي سنة 2026 عاد إلى الساحة الأدبية بإصدار جديد، يحمل عنوان “الأبدي الزائل”، وهي رواية تختلف في بنائها وأحداثها، لكنها تواصل الانشغال بنفس الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت والحب والعدالة والمصير.

في هذا العمل الجديد، ينتقل الكاتب من عالم التهميش الاجتماعي إلى عالم الجريمة والعدالة والعلاقات الإنسانية المعقدة. فالرواية تحكي قصة كاتب، يجد نفسه متهماً ظلماً بقتل زوجته، قبل أن تنطلق رحلة طويلة، لكشف الحقيقة وإثبات البراءة. غير أن خلف هذا الإطار البوليسي الظاهر، تختبئ أسئلة أعمق حول الخيانة والانتقام والقدر والهشاشة الإنسانية.

وتبرز شخصية أحلام، المحامية التي تحمل بدورها جراحها الخاصة، باعتبارها رمزاً للمقاومة والصمود، والإيمان بإمكانية الانتصار للحقيقة رغم كل الصعوبات. ومن خلال تفاعل الشخصيات المختلفة، يبني الكاتب عالماً روائياً غنياً بالتوتر النفسي والبعد الإنساني.

ما يميز “الأبدي الزائل” ليس فقط حبكتها المشوقة، وإنما قدرتها على تحويل قصة جريمة إلى تأمل فلسفي حول الزمن والحياة والموت. فالرواية تذكر القارئ باستمرار بأن كل شيء عابر، وأن الإنسان يعيش دائماً، بين ما يظنه أبدياً وما يكتشف لاحقاً أنه مجرد لحظة زائلة.

إن صدور روايتين باللغة الفرنسية، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً ليس مجرد حدث أدبي عابر بالنسبة لشعيب أعبودو، بل هو تتويج لمسار طويل من القراءة والتأمل والعمل التربوي والثقافي. كما أنه يؤكد أن مدينة المحمدية ما زالت قادرة على إنجاب أسماء أدبية، تشتغل بعيداً عن الأضواء، لكنها تحمل مشاريع فكرية وإبداعية جديرة بالاهتمام.

وفي وقت تعاني فيه القراءة من تحديات متزايدة، وتبحث فيه الثقافة عن أصوات جديدة، قادرة على ملامسة قضايا الإنسان المعاصر، يفرض شعيب أعبودو نفسه، كأحد الأسماء التي اختارت أن تراهن على الأدب، باعتباره مساحة للتفكير والحلم وطرح الأسئلة الكبرى.

لقد صمت الرجل طويلاً، لكنه عندما قرر الكلام، اختار لغة الرواية. واختار أن يجعل من الكتابة جسراً بين التجربة الشخصية والأسئلة الكونية، وبين مدينة المحمدية والعالم الواسع. وربما يكون هذا هو أجمل ما يمكن أن يقدمه الأدب: أن يحول حياة عادية، بدأت في أحياء فضالة الشعبية إلى رحلة إنسانية، قادرة على مخاطبة القارئ أينما كان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.