شقة قيلش: الكلية تتحوّل إلى دكان، والماستر إلى صفقة، والدكتوراه تُطبع حسب المقاس!

ضربة قلم
في رواية جديدة من روايات التعليم العالي بالمغرب، خرجت جامعة ابن زهر بأكادير من سباتها الأكاديمي لتجد نفسها وسط فضيحة تشبه روايات التشويق، لكن دون حبكة ذكية أو نهاية عادلة. الأستاذ الجامعي المعتقل، الذي يفترض فيه أن يكون منارة للعلم، تحول إلى تاجر شهادات معتمد، يعرض بضاعته في سوق سوداء لا تعرف لا شرفًا علميًا ولا ضميرًا تربويًا.
مفتاح الحكاية؟ شقة. ليست شقة عادية يُقصد بها السكن أو حتى العزلة للتأمل الفلسفي، بل وحدة إنتاج متكاملة خارج أسوار الكلية، بحي السلام بأكادير، كأنها الفرع السري لجامعة موازية لا تعترف لا بالإصلاح البيداغوجي ولا بالتوجيهات الوزارية. الشقة كانت مجهزة أكثر من مكاتب عمداء بعض الجامعات: حواسيب، آلات طباعة، أرشيف رسائل، وذراع أيمن يُدير الأمور كأننا في مصنع لشواهد “صنع في أكادير”.
هنا، الطالب النجيب لا يُكافأ، بل يُستغل. يُؤتى به إلى تلك الشقة، تحت ضغط مباشر أو عبر وعود النجاح، ليكتب أطروحات علمية ستباع لاحقًا لزبناء أغبياء بدرجة ماستر، في حفلات مزاد أكاديمي مفتوح، حيث المعيار الوحيد هو الثمن، وليس مستوى التفكير أو جودة التحليل. والزبون بدوره لا يهتم سوى بالشهادة، وكأن الدكتوراه مجرد ملصق فاخر على رف الخواء الفكري.
في هذه الشقة، لا تُناقش النظريات، بل تُطبخ. لا تُنتج المعرفة، بل تُستنسخ. وما يحدث داخلها لا علاقة له بما يُدرّس في مدرجات الكلية، بل هو نموذج لاقتصاد الظل التعليمي، حيث تنتقل الشهادة من طالب مكافح إلى طالب ميسور بدفعة تحويل بنكي محترمة.
وما إن تفجرت الفضيحة، حتى أُغلقت الشقة كما تُغلق مقرات العصابات بعد غارة أمنية. تم التخلص من كل الأدلة، تنظيف الأقراص الصلبة، وتمزيق الوثائق، كأننا أمام عملية تهريب دولية وليس مجرد “تحضير بحوث”. وتُرك “الذراع الأيمن” يواصل عمله داخل المؤسسة، يبتسم للطلبة في الممرات، كأنه لم يكن في قلب مسرح الجريمة.
الأدهى من ذلك، أن هذه الشقة، رغم موقعها خارج الجامعة، كانت تمثل الجامعة أكثر مما يمثلها مكتب العميد. هناك، في صمت تام، كانت الشواهد تمنح، والنجاح يُباع، والمصير المهني يُرسم على مقاس من يدفع، لا من يستحق. كان بالإمكان تعليق لافتة فوق بابها مكتوب عليها: “وكالة ابن زهر للتوثيق الأكاديمي الفوري، جيل الشهادات بلا اجتهاد”.
اللجنة الوزارية التي حلت بكليات الجامعة لا تزال تتخبط بين الاستماع والانتظار، بينما الشارع الأكاديمي ينتظر تقريرًا يوصف بـ”الأسود”، كأنه نهاية موسم درامي ينتظر فيه المشاهد القصاص، ولا يأتي. ويُرجّح أن هذا التقرير قد يُطيح ببعض الأسماء النافذة، أو قد يُطوى كما طويت الملفات من قبل، في درج بارد داخل وزارة عاجزة عن مواجهة سرطان الفساد البنيوي.
في الختام، ما وقع في أكادير ليس حدثًا معزولًا، بل صورة مصغرة عن جامعة بلا سيادة معرفية، تشرف على إنتاج جيل من حاملي الشهادات يفتقدون حتى القدرة على كتابة جملة مفيدة، لكنهم مسلحون بـ”نسخة PDF” من أطروحة كتبت في شقة مظلمة، طُبعت على عجل، وبيعت بثمن لا يُذكر… إلا عند الضرائب.
هل من إصلاح؟ ربما، لكن بعد أن تتحول الشقق الأكاديمية إلى مكتبات حقيقية، والأساتذة إلى قدوة، والجامعات إلى معابد علم… وليس مصانع لمنتجات تعليمية مغشوشة.





https://shorturl.fm/bODKa