شقيقان من المحمدية.. بين الوردة والسنبلة: هل فرّقتهما السياسة أم وزعت بينهما الأدوار؟

ضربة قلم
في الوقت الذي بدأت فيه حرارة الاستحقاقات التشريعية المقبلة ترتفع تدريجياً، وتزايدت معها وتيرة التنقلات الحزبية وإعادة ترتيب الأوراق، داخل عدد من التنظيمات السياسية، برز اسم ياسر المزواري بعدما أعلن مغادرته لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واختياره الالتحاق بحزب الحركة الشعبية، في خطوة أثارت اهتمام المتتبعين للشأن السياسي بمدينة المحمدية.
غير أن ما يجعل هذه الخطوة جديرة بالتوقف عندها، لا يرتبط فقط بقرار تغيير الانتماء الحزبي، بل أيضاً بما تحمله من أبعاد إنسانية وسياسية داخل بيت واحد. فالرجل لم يغادر حزباً، كان مجرد محطة عابرة في مساره، بل غادر الحزب الذي ظل يجمعه بشقيقه المهدي المزواري، أحد الوجوه السياسية بالمدينة، والذي يراهن بدوره على لعب أدوار خلال المرحلة المقبلة.
وهنا تبدأ الأسئلة التي يتداولها المهتمون بالشأن المحلي والسياسي. هل نحن أمام اختلاف طبيعي في الرؤية والتقدير السياسي بين شقيقين، لكل واحد منهما قناعاته وحساباته؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة تموقع سياسية فرضتها التحولات التي تعرفها الساحة الحزبية مع اقتراب موعد الانتخابات؟
ففي عالم السياسة، لا شيء يمنع أن يختار الأخوان طريقين مختلفين، بل إن الديمقراطية الحقيقية، تقوم أساساً على حق كل فرد في تبني المواقف التي يراها مناسبة. لكن خصوصية هذه الحالة، تكمن في كون الرجلين انطلقا من البيت الحزبي نفسه، وتقاسما لسنوات فضاءً سياسياً واحداً، قبل أن يفترقا عند مفترق الطرق.
وإذا كان ياسر المزواري قد حسم وجهته نحو الحركة الشعبية، فإن الأنظار تتجه أيضاً نحو المهدي المزواري، الذي يرى البعض أنه قد يكون مرشحاً للعب دور أساسي في الاستحقاقات المقبلة، فيما يذهب آخرون إلى طرح قراءة مختلفة وأكثر تشاؤماً، معتبرين أنه قد يجد نفسه في موقع “الكومبارس” داخل مشهد انتخابي، تتحكم فيه توازنات وتحالفات تتجاوز أحياناً الطموحات الفردية والكفاءات الشخصية.
ولذلك فإن الحديث اليوم عن مستقبل الشقيقين السياسي، يظل مفتوحاً على جميع الاحتمالات. فقد يتحول اختلاف الانتماء الحزبي إلى منافسة انتخابية مباشرة، وقد يبقى مجرد اختلاف في المواقع، دون أي صدام سياسي حقيقي. كما قد تكشف الأشهر المقبلة أن الأمر، لا يعدو أن يكون تعبيراً عن قناعات مختلفة داخل أسرة واحدة، وهو أمر طبيعي في مجتمع ديمقراطي يفترض أن يتسع للجميع.
ومهما كانت القراءات والتأويلات، فإن قصة ياسر والمهدي المزواري تظل نموذجاً، يعكس جانباً من التحولات التي تعرفها الحياة السياسية المغربية، حيث أصبحت الانتماءات الحزبية أكثر قابلية للتغيير، وأصبح الانتقال من حزب إلى آخر جزءاً من مشهد سياسي، لا يكف عن إعادة تشكيل نفسه مع كل محطة انتخابية.
وفي النهاية، قد تختلف الرايات الحزبية وتتباين التقديرات السياسية، لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن السياسة، تبقى مجالاً للاجتهاد والاختيار، بينما تظل روابط الأخوة أقوى من الحسابات الانتخابية، وأعمق من الانتماءات الحزبية. فانتقال ياسر المزواري إلى الحركة الشعبية لا يعني بالضرورة وجود مواجهة سياسية مع شقيقه المهدي، بقدر ما يعكس حق كل واحد منهما في رسم مساره وفق القناعات التي يراها مناسبة. وبين هذا وذاك، تبقى قصة الشقيقين نموذجاً، يؤكد أن الاختلاف في السياسة لا يفسد أواصر القربى، وأن الأسرة الواحدة قادرة على احتضان أكثر من رأي وأكثر من توجه، دون أن تفقد تماسكها أو احترامها المتبادل.
وفي انتظار أن تكشف الأشهر المقبلة حقيقة الأوزان السياسية لكل طرف، يبقى السؤال مطروحاً داخل المحمدية: هل سيخوض الشقيقان غمار الانتخابات من موقعين متنافسين فعلاً، أم أن أحدهما سيكتفي بلعب دور الكومبارس في فيلم انتخابي كُتبت نهايته سلفاً؟
فالسياسة المغربية عودتنا على مشاهد كثيرة؛ مرشحون يملؤون الدنيا ضجيجاً قبل الانتخابات، ثم يختفون بمجرد إغلاق مكاتب التصويت، وآخرون يقدمون أنفسهم كصناع للتاريخ؛ فإذا بهم مجرد أرقام لتجميل اللوائح وإضفاء مسحة من التنافس على سباقات معروفة النتائج مسبقاً.
لذلك، قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن الرابح والخاسر، لكن المؤكد أن الناخبين أصبحوا أكثر وعياً من أي وقت مضى، ولم يعودوا يكتفون بالشعارات والصور التذكارية والمصافحات الموسمية. أما من سيكون منافساً حقيقياً ومن سيكتفي بدور الكومبارس، فذلك ما ستكشفه لحظة الحقيقة، عندما تتكلم صناديق الاقتراع بلغة الأرقام، لا بلغة البلاغات الحزبية والتصفيق المتبادل.




