شلل المحاكم بالدار البيضاء: أصحاب البذلة السوداء يرفعون الصوت ضد مشروع “العدالة الجديدة”

ضربة قلم
في صباح يوم الثلاثاء، شهدت المحاكم بالدار البيضاء حالة غير مسبوقة من الشلل، كأن المدينة بأكملها توقفت عن أنفاس العدالة، ليس بسبب عطلة رسمية، بل بسبب قرار جماعي من المحامين، وعلى رأسهم أبناء هيئة الدار البيضاء، أكبر هيئات المحامين في المملكة، بالامتناع عن أداء خدماتهم المهنية، احتجاجًا على مشروع قانون جديد يتعلق بمهنة المحاماة قدمته وزارة العدل.
من لحظة دخولك إلى محكمة الاستئناف، أو المحكمة الابتدائية بعين السبع، كان المشهد أشبه بمسرح صامت: قاعات فارغة، مكاتب شبه مهجورة، ملفات كانت على وشك البت، تم تأجيلها إلى أجل غير معلوم. الزائر العادي، كان قد يظن أن المحاكم تحولت إلى متحف للعدالة، حيث تزين الجدران باللوائح والقوانين، فيما الحقيقة الحية، أي الملفات والقضايا، غائبة تمامًا.
ولم يكن هذا الشلل مجرد منظر بصري، بل ترك ارتباكًا واضحًا في صفوف المتقاضين المنتظرين في قاعات المحاكم، الذين ارتسمت على وجوههم علامات الاستغراب والحيرة، إلى جانب موظفي المحاكم، الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام فراغ مهني غير متوقع، محاولين تدارك الوضع دون أي معايير جاهزة للتعامل مع توقف كامل ومفاجئ.
وفي تصريح صحفي له، الكاتب العام لهيئة المحامين بالدار البيضاء، يوسف عبد القاوي، لم يخف حجم الاحتجاج، مؤكداً أن نسبة التوقف عن أداء الخدمات المهنية بلغت 100%، أي أن جميع المحامين في الهيئة، اختاروا إغلاق ملفاتهم بشكل مؤقت، ليرسلوا رسالة قوية وواضحة: هذا المشروع المقدم من وزارة العدل، لا يمكن تجاوزه بصمت.
واسترسل عبد القاوي، مضيفا أن مشروع القانون الجديد يشكل تهديدًا خطيرًا للمبادئ الأساسية لمهنة المحاماة، لا سيما استقلاليتها عن السلطات الحكومية المكلفة بالعدل، واستقلال الهيئات المهنية عن بعضها البعض. باختصار، وفق المحامي المعروف بالدار البيضاء، المشروع الجديد يحاول وضع قيود على حرية المهنة وعلى ما يمكن تسميته بـ”الجهاز المناعي للعدالة”، وهو ما اعتبره المحامون مساسًا مباشرًا بمهنة يتربى عليها الزملاء منذ عقود.
وفي جولة قصيرة داخل أروقة المحاكم، يمكن للمرء أن يلمس أثر هذا الاحتجاج على الأرض. فالقضايا المؤجلة، والمواعيد التي تم تعليقها، والصمت الذي خيم على القاعات، كلها علامات على قوة القرار النقابي للمحامين، الذي لم يعد مجرد احتجاج بسيط، بل أصبح بمثابة صرخة كبيرة تدق أبواب وزارة العدل: “العدالة لا تُدار بالقوانين الجديدة على حساب الاستقلالية المهنية!”
الرسالة هنا واضحة لكل المتابعين: المحامون لم يعودوا مستعدين للتنازل عن حصن استقلالهم، وحتى لو بدا المشهد كوميديًا للبعض -بذلة سوداء هنا، ملفات فارغة هناك، وكأننا أمام مسرحية لا ينتهي عرضها- فالحقيقة أكثر جدية وعمقًا. إن توقف الخدمات، لا يمثل فقط أزمة مؤقتة في المحاكم، بل اختبارًا حقيقيًا لقوة مهنة المحاماة وقدرتها على الدفاع عن نفسها ومبادئها الأساسية، أمام محاولات التقييد أو التحكم.
وفي انتظار تطورات هذا الملف، يظل السؤال معلقًا في أروقة الدار البيضاء: هل ستنجح وزارة العدل في فرض مشروعها، أم ستستمر المحاكم في حالة شبه شلل، مؤكدين أن أصحاب البذلة السوداء قادرون على فرض إرادتهم حين يتعلق الأمر باستقلالية مهنة تُعدّ أحد أعمدة العدالة في المغرب؟




