شهادات طبية للبيع: كيف تحوّل المرض إلى حيلة إدارية رسمية!

ضربة قلم
تعد الشهادة الطبية، مستندا سحريا يتحوّل فيه الصداع إلى كسور متعددة، والزكام إلى انهيار عصبي، وتراكم النوم إلى إرهاق مزمن يستدعي راحة عاجلة وممتدة. إنها أعجوبة العصر، لا تُكلّف أكثر من بضع كلمات، توقيع لطبيب “يتفهم”، وورقة مختومة بخاتم يبدو رسميًا بما يكفي ليُعفيك من كل تبعات الحياة. إنها ليست فقط وثيقة طبية، بل هي تصريح مرور إلى العطلة، جواز سفر إلى الراحة، ودرع نفسي ضد كل ما يُشبه الجدية.
في القطاعين العام والخاص، أصبحت هذه الورقة الصغيرة جزءًا لا يتجزأ من فن الغياب المقنن. هناك من يقتنيها كما يقتني ربطة خبز من أقرب صيدلية، نقصد “عيادة”. ما أسهل أن تقول للطبيب: “دكتور، راه خاصني غير شي جوج أيام راحة، عندي عرس ختي”، ليغمغم هذا الأخير بعبارة طبية غامضة عن “توتر عضلي” أو “نزلة برد حادة جدًا”، وكأن الجسد دخل في حرب كونية تستدعي تعبئة طبية شاملة.
الطبيب بدوره، ليس دائمًا بريئًا في هذا السيناريو. هناك من يكتب الشهادات كما لو كان يوزّع دعوات زفاف، وربما يعتبرها شكلًا من خدمة الزبناء الممتازة. فالزبون -عفوا، المريض- لا يريد العلاج، بل يُريد الغياب. والغياب المبرَّر، طبعًا. الطبيب، إنسان طيب، لا يُحب أن يرى أحدًا يتعذّب، خاصة إذا كان التعذيب هو الذهاب إلى المكتب أو الاجتماع أو المصنع.
أما في المؤسسات، فهناك من يملك أرشيفًا كاملاً من الشواهد الطبية، مرتبًا حسب المناسبات: شهادة رأس السنة، شهادة رمضان، شهادة الصيف (مع أعراض حساسية من الحرارة والواجبات)، شهادة الخريف (تعب موسمي)، وشهادة العودة المدرسية (مضادات للواقع). كل شهادة لها مفعول سحري في جعل المدير يتحوّل من مفترس إداري إلى كائن متفهِّم يهمس للموظف: “صحة وسلامة، ماشي مشكل، غير رتاح”.
الموظف “المريض” يُصبح بين عشية وضحاها خبيرًا في المصطلحات الطبية. يعرف تمامًا أن “الضغط المهني” كفيل بالحصول على أسبوع عطلة، وأن “آلام الظهر” تمر بسهولة أمام لجان التفتيش. هناك من بات يُتقن العرج والتأوّه والتمتمة بعبارات مثل “الدوا غالي” و”الطبيب قال لي نرتاح”، مع أن جل معاناته كانت من اجتماع صباحي ممل.
لكن لا نظلم الجميع! هناك من يُجبر فعليًا على شراء الشهادة الطبية، ليس حبًا في الكسل، بل لتفادي تحقيق إداري، أو للهروب من مسؤولية ثقيلة، أو ببساطة لتمرير الوقت في عالم يعمل فيه “من يُجيد التملّص” أكثر مما يعمل من يُجيد الإنجاز. في بعض المؤسسات، الشهادة الطبية هي ما تبقّى من “حق التفاوض”، وهي ما يجعل الموظف يشعر أنه يملك شيئًا من السيطرة في منظومة لا تميز بين التعب والإجهاد والبطيخ.
ثم نأتي إلى الجانب التجاري من العملية. شهادة طبية؟ خمسون درهمًا فقط إن كان الطبيب يراعي ظروف سكان الدرب، مع إمكانية تمديد! هناك من يبيعها حسب مدة الغياب: ثلاثة أيام بثمن، وأسبوع بثمن آخر. وهناك من يقدم عروضًا موسمية: “خد أسبوع راحة واحصل على يوم إضافي مجانًا!” وبعض الأطباء، خاصة أولئك الذين لا يجدون زبائن حقيقيين، دخلوا اللعبة من باب “إن لم تكن طبيبًا ناجحًا، كن على الأقل مفيدًا لمن يريد الهروب من النجاح”.
الأدهى من ذلك أن بعض الإدارات تعرف، تغمض العين اليمنى، وتفتح اليسرى نصف فتحة، وتقول لنفسها: “ما دام الجميع يفعلها، فلمَ أزعج النظام؟”. أصبح الغياب بالشهادة الطبية جزءًا من تقاليد المرفق، مثل شرب الشاي صباحًا أو تأجيل الاجتماعات.
وفي خضم هذا العبث الطبي الاجتماعي، تضيع المعاني الحقيقية للمرض، ويتحوّل الجسد البشري إلى حجة قابلة للتزوير، ويفقد الطبيب دوره كخبير بالشفاء، ليصير كاتب أعذار ممتاز. أما المسؤول، فإما متواطئ أو مفعول به، لا فرق كبير.
وإذا استمرّ هذا المسلسل الهزلي، فربما نحتاج يومًا إلى شهادة طبية تبرّر “الملل من الحياة”، أو “الحساسية من الجدية”، أو “اكتئاب مزمن من الاجتماعات الأسبوعية”. ولما لا؟ في هذا السوق، كل شيء قابل للبيع… ما عدا الضمير، فقد نُفذ المخزون.




