
ضربة قلم
شوية ديال العمل الجمعوي، شوية ديال السياسة، وبزاف ديال الارتزاق… هذا هو المشهد اليومي في مسرحنا الوطني، حيث تتقاطع الطموحات النبيلة مع نزوات الانتهازية بطريقة تجعل المشاهد يعجز عن التمييز بين الكوميديا والتراجيديا. ومن باب الصدف الغريبة، نكتشف أن هناك من يدعي النبوة في قضايا لا تفوقها إلا درجة حرارة الشمس، وهناك من يسوق نفسه كيساري مفترى عليه، كما لو أن العالم بأسره تآمر عليه لسرقة قضيته العادلة… وفي الحقيقة، قضيته العادلة هي في أغلب الأحيان محفظته وكرسيه المفضل في الاجتماعات الرسمية.
هؤلاء المناضلون المحترفون يقضون نهارهم في لعب دور البطل الذي لا يُقهر، يرفعون شعارات عالية كأنها أعمدة من الرخام، ثم فجأة، ومع أول فرصة، يتحولون إلى مرتزقة بامتياز، يلتقطون الضحايا واحدًا واحدًا كما يلتقط الصياد الفراشات في سلة مهترئة. هنا، المشهد يصبح أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال معتقدة أن لا أحد يرى مؤخرتها، بينما الكل يضحك بصوت مكتوم على هذه المهازل المتكررة، على التناقض بين الصورة العامة المزيّفة والحقيقة الفجة التي تكشف عن فضائحهم الصغيرة والكبيرة.
وفي وسط هذا الجنون، يستمر العرض: المؤتمرات تُعقد، والبيانات تُصدر، والشعارات تُرفع، والكل يتنافس على من يكون أكثر جدية وأكثر نزاهة… وكلهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن نزاهتهم تُقاس بعدد الكراسي التي يجلسون عليها، والامتيازات التي يبحثون عنها، وبمدى قدرتهم على خداع الآخرين بابتسامة بريئة لا تُصدق. وهكذا تستمر اللعبة، كل يوم، بلا نهاية، بلا خجل، وبكثير من السخرية التي تجعلنا نطرح السؤال: هل نحن أمام مناضلين حقًا أم مجرد مهرجين محترفين؟




