الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

شيشاوة: “للا خيتي” تدير الإنـعاش الوطني.. العائلة تشتغل على الورق، الأشباح تتقاضى، وحتى السجن لا يوقف الأجرة!

ضربة قلم

في إقليمٍ يُفترض أنه يعيش على إيقاع التنمية القروية وبرامج الدعم الاجتماعي، تحوّل “الإنعاش الوطني” إلى ما يشبه مسرحًا عبثيًا تُعرض فيه فصول من الكوميديا السوداء، أبطالها ليسوا عمّالاً يكدحون في إصلاح المسالك أو تنظيف الفضاءات، بل “أشباح” يتقاضون أجورًا بانتظام، وكأنهم موظفون في عالمٍ موازٍ لا يراه أحد… باستثناء من يوقّع على لوائح الأداء طبعًا.

القصة التي يتداولها سكان عمالة إقليم شيشاوة هذه الأيام، والتي تكاد تُروى بنفس التفاصيل في المقاهي والأسواق الأسبوعية، تدور حول سيدة تُلقب بـ“للا خيتي”، اسمٌ بسيط، لكن تأثيره – إن صحّت الروايات – يبدو أقرب إلى “مديرة ظل” لقطاع يفترض فيه أن يكون اجتماعيًا بامتياز. لا أحد يعرف بالضبط موقعها الإداري، ولا طبيعة علاقتها مع “الخائل” (Le régisseur)، لكن المؤكد في نظر الناس، أنها تملك مفاتيح توزيع “النعمة” أكثر من أي مسؤول رسمي.

ولأن “الخير” في مثل هذه الحكايات لا يأتي فرادى، فقد حرصت “للا خيتي” – بحسب ما يُتداول – على أن تشمل البركة العائلية كاملة غير منقوصة. فهي نفسها تستفيد من بطاقة الإنعاش، وزوجها كذلك، رغم أن حضوره – إن وُجد – لا يتجاوز حدود التوقيع أو ربما حتى ذلك غير ضروري. ثم يأتي الدور على الأشقاء: ستة دفعة واحدة، ثلاثة ذكور وثلاث إناث، كلهم – ما شاء الله – “يشتغلون” في الإنعاش، دون أن يزعجهم عناء العمل أو يرهقهم التفكير في الإنتاج.

هنا لا نتحدث عن حالات فردية أو أخطاء معزولة، بل عن “نظام عائلي” متكامل، أقرب إلى شركة تضامن عائلي، لكن بتمويل عمومي. وإذا كان البعض قد يبتسم بسخرية من هذا “النجاح العائلي”، فإن المفارقة تبلغ ذروتها حين نعلم – حسب نفس الروايات – أن أحد الأشقاء يقبع في السجن وينتظر عقوبة حبسية، في قضايا ثقيلة، ومع ذلك لا يزال اسمه حاضرًا في لوائح الأداء، كأن السجن لم يعد عائقًا أمام “العمل” في الإنعاش الوطني، بل ربما مجرد تفصيل إداري، لا يستحق التوقف عنده!

في هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال مشروعًا بل وملحًا: هل نحن أمام برنامج اجتماعي، أم أمام بنك مفتوح، لمن يجيدون لعبة العلاقات؟ وهل تحوّل “الإنعاش الوطني”، الذي أُنشئ أصلاً لامتصاص البطالة، ودعم الفئات الهشة، إلى آلية لإعادة توزيع الريع داخل دوائر ضيقة، حيث يُكافأ القرب بدل الحاجة؟

الأكثر إثارة للاستغراب، بل وربما الأكثر إضحاكًا حدّ البكاء، ليس فقط ما يُروى عن “للا خيتي” وعائلتها التي يبدو أنها اكتشفت سرّ “الوظيفة دون عمل”، بل ذلك الصمت المهيب الذي يلفّ الجهات التي وُجدت أصلًا لكسر هذا الصمت. صمتٌ ليس من ذهب، بل من إسمنتٍ مسلّح، لا يتصدّع حتى أمام أكثر الوقائع فجاجة.

فأين قسم الشؤون الداخلية داخل العمالة؟ ذلك الجهاز الذي يُفترض أنه يلتقط أنفاس الإدارة، قبل أن تتحول إلى اختناق، وينقل “كل صغيرة وكبيرة” في تقارير يومية… يومية نعم، لكن يبدو أنها تسافر عبر الزمن، فتتأخر سنوات قبل أن تصل، إن وصلت أصلًا. أم أن “الصغيرة والكبيرة” لا تشمل الأشباح، ولا المساجين الذين يتقاضون أجورًا، ولا العائلات التي تحوّل الدعم الاجتماعي إلى مشروع عائلي ناجح؟

وأين تقارير المندوبية الإقليمية للإنعاش الوطني؟ هل ضاعت في الطريق بين الواقع والورق؟ أم أنها كُتبت بحبرٍ سري، لا يظهر إلا لمن يملك مفاتيح “الفهم العميق” للأمور؟ لأن ما يُتداول على الأرض، لا يحتاج إلى لجان تقصّي ولا خبراء دوليين، بل يكفي أن تسأل أي مواطن بسيط ليحكي لك القصة من بدايتها إلى نهايتها، مع إضافات ساخرة مجانًا.

ثم نصل إلى السؤال الأكبر، الذي يُطرح همسًا أحيانًا وعلانية أحيانًا أخرى: أين العامل؟ ممثل السلطة المركزية، حارس التوازنات، والضامن -نظريًا – لحسن سير المرافق العمومية. هل ما يجري خفيّ إلى درجة أنه لا يُرى؟ أم أنه واضح إلى درجة أنه لا يحتاج تعليقًا؟ أم أننا أمام فلسفة جديدة في التدبير: “إذا لم نتحرك، فالمشكل غير موجود”؟

في شيشاوة، يبدو أن الواقع سبق الخيال، وأن “الإنعاش الوطني” لم يعد مجرد برنامج اجتماعي، بل صار قصة تُروى بنكهة ساخرة، حيث الأشباح تشتغل أكثر من الأحياء، والتقارير تنام أكثر مما تُكتب، والرقابة… في عطلة مفتوحة إلى أجل غير مسمى.

هل يعقل أن تمر أسماء “أشباح” -وربما “مساجين” – عبر قنوات المراقبة، دون أن يرفّ جفن؟ أم أن الأمر ببساطة يدخل في خانة “كلشي عارف… وكلشي ساكت”؟

الأكيد أن مثل هذه الوقائع، إن ثبتت صحتها، لا تسيء فقط إلى صورة الإدارة، بل تضرب في العمق، فلسفة التضامن الاجتماعي، وتحوّل برامج الدعم إلى مادة للسخرية، بدل أن تكون مصدر أمل. لأن المواطن البسيط، الذي ينتظر فرصة عمل مؤقتة تسد رمقه، لن يفهم كيف تُوزع هذه الفرص على من لا يعملون أصلاً، أو على من لا يمكنهم العمل حتى لو أرادوا.

في النهاية، قد يختلف الناس في تفاصيل الحكاية، وقد يُبالغ البعض في سردها، لكن المؤكد أن انتشارها بهذا الشكل الواسع يعكس فقدان الثقة في عدالة التوزيع، ويطرح سؤالًا أكبر من “للا خيتي” نفسها: من يحاسب من؟ ومن يملك الجرأة لفتح هذا الملف، لا كحكاية تُروى في المجالس، بل كقضية تستحق التحقيق والمساءلة؟

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل “الإنعاش الوطني” في نظر كثيرين، ليس برنامجًا اجتماعيًا، بل عنوانًا عريضًا لواحدة من أطرف – وأقسى- مفارقات الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.