
ضربة قلم
تفجّرت، أمس، قضية ساخنة تتعلّق بشبهة صفقة عقارية مثيرة للجدل، طفت على السطح، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول طبيعة العملية وظروفها، خاصة وأن أحد أطرافها هو مسؤول حكومي بارز، ويتعلّق الأمر بوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت.
وتشير المعطيات المتداولة، إلى أن شركة كانت قد اقتنت عقارًا من الدولة، قبل أن تعمد، بعد فترة وجيزة، إلى إعادة بيعه، لكن هذه المرة بثمن أقل، في عملية وُصفت بغير المألوفة من زاوية منطق السوق، الذي يقوم أساسًا على تحقيق الربح لا تكبّد الخسائر. غير أن ما أثار الانتباه أكثر هو هوية المشتري، ما جعل الصفقة تخرج من إطارها التجاري البحت، لتدخل دائرة النقاش العمومي المرتبط بتضارب المصالح واحتمال وجود امتيازات غير مبرّرة.
هذا التطور أعاد إلى الواجهة، نقاشًا قديمًا متجدّدًا حول العلاقة بين السلطة والمال، وحول مدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصفقات يكون أحد أطرافها، الدولة أو ممتلكاتها. فمثل هذه الحالات، حتى وإن لم يثبت فيها أي خرق قانوني، تظل كافية لإثارة الريبة، وتستدعي، على الأقل، توضيحات رسمية، ترفع اللبس وتضع حدًا للتأويلات.
وفي خضم هذا الجدل، عاد إلى أذهان المتتبعين تصريح سابق لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، شدّد فيه على ضرورة استرجاع كل درهم تم الحصول عليه بغير وجه حق، حين قال: “اللي دا شي درهم غير ردو…”. وهو ما أضفى على النقاش بعدًا إضافيًا، إذ وجد الرأي العام نفسه، أمام مفارقة بين خطاب صارم في محاربة الفساد، ومعطيات إعلامية تطرح علامات استفهام حول صفقة بعينها.
وبين من يرى في الأمر مجرد قراءة إعلامية تحتاج إلى تدقيق وتوازن، ومن يعتبره مؤشرًا يستوجب فتح تحقيق معمّق، يرتفع صوت يطالب بتدخّل الجهات المختصة، وفي مقدّمتها النيابة العامة، ليس بالضرورة لإدانة مسبقة، بل من أجل التحقّق من سلامة الإجراءات، وكشف حقيقة ما جرى، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي انتظار ما قد تكشف عنه الأيام المقبلة، تبقى هذه القضية اختبارًا حقيقيًا، لمدى قدرة المؤسسات على التفاعل مع مثل هذه الملفات الحساسة، بشكل يضمن الشفافية، ويعزّز ثقة المواطنين في أن القانون يظل فوق الجميع، دون استثناء.




