الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

صحافة بحضور هيئة الدفاع… وغياب الضمير

ضربة قلم

أحيانًا، حين تقع بين يديك تغطية “صحفية” لمحاكمة ما، خاصة في إحدى تلك الجرائد الإلكترونية التي تعيش على حسابنا دون أن تستأذن أحدًا في مصروفها، يخيل إليك لوهلة أنك لست أمام مقال إخباري، بل أمام نص إنشائي كتبه أحد المحامين المتدربين بإيعاز من الأستاذ الكبير، أو ربما كتبه أحد أقارب المتهم مباشرة بعد جلسة شاي ثقيلة في مقهى مجاور للمحكمة. لا موقف، لا تحليل، لا حتى “همهمة” مهنية تُشعرك أن هناك من يراقب ويكتب انطلاقًا من حس صحفي. فقط سرد بارد، مُنمّق، مشبع بالمصطلحات القانونية التي غالبًا ما تُستعمل في غير محلها، مع ميل واضح إلى تلميع صورة المتهم، وكأننا أمام مسلسل درامي أبطاله مظلومون على الدوام، والجمهور هو الجاني!
الصحافي في هذه المنابر، أو لنقل “الناقل الأمين”، يكتب وكأن النيابة العامة ليست طرفًا في الدعوى، وكأن الضحية مجرد تفصيل صغير في خلفية الصورة، بينما المتهم هو المركز، هو البطل، هو ذلك الرجل المسكين الذي سقط ضحية مؤامرة كونية حيكت خيوطها في كواليس المريخ، بمشاركة خفية من جيران الحي والحارس الليلي وربما حتى ساعي البريد.
ويا ليت الأمر توقف عند الحياد المزيف. فغالبًا ما يُرفق المقال بصورة للمتهم، بوجه نصف مبتسم، وشعر مشذب بعناية، وبدلة أنيقة توحي بأننا أمام رجل أعمال ناجح وقع ضحية سوء تفاهم بسيط لا غير. وإذا لم تكن هناك صورة، فستجد وصفًا دقيقًا لهيئته: “ظهر المتهم هادئًا، متماسكًا، يرد على أسئلة القاضي بثقة، ويردّد آيات قرآنية بين الفينة والأخرى”، وهنا قد تظن أننا نحضر جلسة تلاوة، لا محاكمة. أما الضحية، فغالبًا ما تُختصر في جملة يتيمة: “وأكدت المشتكية تصريحاتها السابقة”، لا صورة، لا وصف، لا حتى إحساس بأنها إنسانة من لحم ودم.
طبعًا، لن نسأل لماذا هذا التحيّز، فـ”الفهامة” وحدها لا تكفي لفهم العلاقات الغامضة بين بعض المتهمين، وبعض الناشرين، وبعض “أصدقاء الجريدة” الذين يظهرون فقط حين تشتد الحاجة إلى تبييض صفحة أو تلميع سيرة. وربما لو فتّشنا قليلاً، لوجدنا أن ذات الجريدة نشرت، قبل أشهر قليلة، مقالاً تمجيديًا عن المتهم ذاته، وهو يُوزّع المحافظ على التلاميذ أو يُشارك في حملة تشجير، أو ربما فقط يتبرّع بدمه في لحظة وطنية.
إنها صحافة “كن فيكون”، حيث يُصنع البطل في مقال، ويُغسل التاريخ بخبر “مستعجل”، ويُعاد تركيب الحقيقة كما يُعاد تركيب الصور في برامج المونتاج الرديء. أما القارئ، فهو مجرد شاهد زور، يُطلب منه أن يصدّق كل شيء دون أن يطرح السؤال البسيط: من دفع ثمن هذه الحيادية المريبة؟ ومن منح هذه الجريدة حق أن تكون لسان الدفاع دون توكيل؟
وربما، في لحظة نادرة من الصدق، يصرخ أحدنا: “واش هادو صحافيين ولا محامين؟”، لكن لا أحد يجيبه، لأن الجريدة مشغولة بتحضير تغطية أخرى: هذه المرة عن متهم جديد، في ملف جديد، لكن بنفس الحبر ونفس القالب… وربما بنفس التعليق الختامي: “وسنوافيكم بالتفاصيل حال التوصل بها من هيئة الدفاع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.