صحافة بلا زمالة: حين يُصبح الصحفي عدو الصحفي!

م-ص
في الدول التي تعاني من هشاشة الحريات وتوتر العلاقة بين الصحافة والسلطة، يتّخذ العمل الصحفي أبعادًا مختلفة تمامًا عمّا هو عليه في الدول التي ترسّخت فيها تقاليد المهنة وآليات حمايتها. هناك، الصحافة ليست مهنة فقط، بل نوع من المقاومة اليومية، من الدفاع عن المساحات الممكنة للنقاش العام، ومن الوقوف في وجه التعتيم والتضليل والتعتيم المؤسساتي المتقن.
وسط هذا السياق، تنشأ بين الصحفيين روح تضامن لا تشبه تلك التي تُدرّس في النظريات أو تُدرج في ميثاق الشرف المهني. إنها ليست فقط واجبًا أخلاقيًا، بل وسيلة للبقاء. نقرأ أحيانًا مقالة واحدة موقعة من طرف ثلاثة أسماء أو أكثر، فنعتقد للوهلة الأولى أنها محاولة لجذب الانتباه أو رفع رصيد التوقيع، غير أن الواقع غالبًا ما يكون أكثر عمقًا وتعقيدًا: قد تجد في هؤلاء الثلاثة صاحب المعلومة الأصلية التي حصل عليها من مصدر في مؤسسة ما، ثم صحفيًا آخر تلقاها منه هاتفيًا لأنه أكثر خبرة أو أدرى بخيوط القصة، ثم محررًا اختار العبارات بعناية، متأرجحًا بين ما يجب أن يُقال وما يمكن أن يُقال دون أن يجرّ صاحبه إلى جلسات استماع وتحقيق وربما محاكمة.
هذا الشكل من “الكتابة الجماعية” ليست دليلاً على غياب الكفاءة الفردية كما قد يظنه البعض، بل أحيانًا هي شكل من أشكال تبادل الخبرات، وتوزيع المخاطر، وتوسيع مظلة الحماية، في بيئة لا تحمي الصحفي، ولا تحصّن المصدر، ولا توفر غطاء قانونيًا حقيقيًا للحق في الوصول إلى المعلومة، يُصبح التضامن المهني نوعًا من التأمين الذاتي.خصوصًا في السياقات التي تفرض على الكاتب أن يوازن بين جرأة الطرح وسلامة العاقبة.
فحين يكون الصحفي مستعدًا للتوقيع مع زميله، فذلك لأنه يعرف أن مصيرهما سيكون مشتركًا إذا ما تم استدعاؤهما، وأن ما يحميهما ليس مؤسسة قوية، بل روابط ثقة مهنية وشخصية، لا تباع ولا تُشترى.
ثمّة فرق كبير بين من يحمي مصدره وبين من يُفصح عنه تحت الضغط أو المساومة. في أعيننا، من لا يحمي مصدره – ولو كلّفه ذلك المقاضاة أو حتى السجن – لا يختلف كثيرًا عن الكاتب العمومي، مع كامل الاحترام لهذه الفئة التي تقوم بدورها الاجتماعي والإداري بوضوح. الفرق هنا هو في الوعي بطبيعة المهمة. الصحفي، بخلاف الكاتب العمومي، لا يُفرغ الكلمات فقط، بل يحمي سياقاتها، وظروف ورودها، ويُقاتل أحيانًا ليُبقي الخيط السري بينه وبين من أمدّه بالمعلومة غير مقطوع. لأن ما هو في المحك ليس فقط مادة صحفية، بل علاقة ثقة مع المجتمع، مع الهامش، مع المستضعفين، مع أولئك الذين يضعون أرواحهم أحيانًا في كفّهم ليقولوا كلمة، ليفضحوا خرقًا، أو ليطلقوا صفارة إنذار.
في المقابل، حين نطل على المشهد الصحفي في الدول التي عرفت استقرارًا ديمقراطيًا أطول، نلاحظ نمطًا مختلفًا تمامًا من التعاون المهني. هناك لا يُنظر إلى الزميل كغريم، بل كشريك في إنتاج المعنى. الصحفي لا يخجل من أن يطلب من زميله قراءة مقاله، بل يعتبر ذلك خطوة بديهية لضمان الجودة والدقة. هناك لا يخاف الصحفي من أن يبدو “ناقصًا” أو “ساذجًا” حين يسأل، لأن طرح الأسئلة أساس المهنة، وليس دليل ضعف. الزملاء لا يحملون سيوف الغيرة، بل يملكون نُضجًا يسمح لهم بإبداء الرأي، بالتصحيح، بالإشارة إلى ثغرات لا يراها إلا من هو خارج النص. وهناك، لا يُفهم النقد الداخلي كنوع من التكسير، بل كمرآة تعين على تحسين العمل.
في أوطاننا، للأسف، غالبًا ما يعاني المشهد من أمراض اجتماعية ونفسية موروثة: هناك من يرى في تصحيح خطأه إهانة، ومن يعتبر الملاحظة التقنية “حسدا”، ومن يتعامل مع كل ملاحظة مهنية باعتبارها طعنة في الظهر. هذا المناخ لا يساعد على تطور المهنة، بل يعمّق عزلة الصحفي، ويحوّله إلى آلة خائفة، لا تسأل، ولا تتعاون، ولا تجرؤ حتى على تبادل المعارف.
وربما من أكبر الإشكالات أن بعض الزملاء يعتقدون أن المعلومة ملك شخصي، وأن الخبر قطعة غنيمة، وأن الزميل قد يسرق من رصيده المهني، لا أن يُغنيه. بينما الحقيقة أن المعلومة حين تُشارك، لا تفقد قيمتها، بل تتضاعف. والصحافة ليست سباقًا نحو المجد الفردي بقدر ما هي صناعة جماعية للحقيقة. وهذا لا يتأتى إلا في بيئة سليمة، خالية من الهوس بالألقاب، ومن أمراض الأنانية، ومن “ثقافة الفخ” التي تجعل كل صحفي يتربص بزميله بدل أن يتقاسم معه الرؤية والمعاناة.
إننا، في واقعنا اليومي، لا نحتاج فقط إلى قوانين لحماية الصحفي، بل إلى إعادة بناء “الحميمية المهنية” بين الزملاء. أن نُرسّخ تقليدًا يجعل من التضامن عادة، لا استثناء. أن نتعلم أن نختلف بكرامة، وننتقد بنُبل، ونساعد بعضنا ليس بدافع الشفقة، بل من باب الإيمان بالمصير المشترك. لأننا في نهاية المطاف، جميعًا، نواجه نفس التحدي: قول الحقيقة في زمن يُحبّ الأكاذيب، وكشف ما يُراد له أن يبقى في الظل، في زمن تتواطأ فيه جهات متعددة على تزييف الواقع.
الصحافة ليست حرفة فقط، بل طريقة في العيش. والصحفي لا ينجح إلا حين يكون محاطًا بزملاء يُشبهونه في الإيمان بالقيم نفسها. التضامن المهني ليس رفاهًا، بل ضرورة وجود. ومتى ما انكسر هذا الرابط، ستصبح المهنة حفلة تنكّرية، يرتدي فيها الجميع أقنعة الصمت، ويكتبون ما يُطلب، ويتجنبون ما يُزعج، ويغرقون ببطء في مستنقع الانتهازية والتواطؤ.
ولهذا، يبقى السؤال الكبير: هل نحن مستعدون فعلاً لبناء جبهة مهنية حقيقية؟ أم أننا سنظل نُصفق فرادى… ونُسحق فرادى؟




