الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

“صحفي” مصري فشل في بلده، فبحث عن احتضان في المغرب، لكن الأحداث الأخيرة عرّت النوايا

محمد صابر

صحفي مغربي

تفيد مقولة شعبية مغربية راسخة في الوجدان الجماعي: “أجي يا أمي، نوريك دار خالتي”، وهي عبارة تختزل في عمقها سخرية لاذعة من ذاك الذي يدّعي امتلاك ما ليس له، أو يحاول التباهي بما لا يدخل في رصيده لا من قريب ولا من بعيد. ولعل هذا المثل الشعبي، على بساطته، يصلح اليوم أكثر من أي وقت مضى لفهم بعض الظواهر الدخيلة، التي أصبحت تطفو على السطح، في زمن اختلطت فيه الحقيقة بالزيف، وأضحى “صنّاع المحتوى” في بعض الحالات مجرد باحثين عن الإثارة ولو على حساب القيم، والتاريخ، وحتى الأعراض.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج مثير للاستغراب، يتعلق بأحد الوافدين من مصر، الذي يبدو أنه فشل في بلده، حيث لم يأتِ إلى المغرب بدافع الاكتشاف الثقافي أو التقارب الحضاري، بقدر ما جاء مدفوعًا بهاجس البحث عن “البوز” ورفع نسب المشاهدة، ولو عبر أساليب منحطة تتجاوز كل الخطوط الحمراء. فقد بلغ به الأمر، حسب ما راج، أن انخرط في تدشين حملة إساءة لفظية، لم تنجح، مست مؤثرة مغربية في شرفها، في سلوك لا يمكن تصنيفه، إلا ضمن خانة الانحدار الأخلاقي، ومحاولة يائسة لاستفزاز مجتمع له تقاليده الراسخة في صون الكرامة.
وإذا كان هذا السلوك الفردي يعكس أزمة أخلاقية، أكثر مما يعكس موقفًا جماعيًا، فإنه لا يمكن فصله عن موجة أوسع من الاستهداف غير المبرر للمغرب، تقوده أطراف متعددة، تتقاطع مصالحها في تغذية خطاب الحسد والتشويش. فمن “الكراغلة” الذين لم يستسيغوا النجاحات المتتالية للمملكة، إلى “فراعنة من بلاستيك” يعتقدون أن الصراخ الإعلامي، يمكن أن يعوّض ضعف الحجة، تتشكل جبهة هجينة، تحاول عبثًا النيل من صورة بلد ضارب في التاريخ.
ولعل من أبرز تجليات هذا العبث، ما تم الترويج له مؤخرًا، بخصوص قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في قضية تنظيم كأس إفريقيا 2025، وهي الواقعة التي تحولت، في بعض المنابر، إلى مادة للتأويل المغرض، بل ولنسج روايات خيالية، لا تمت للواقع بصلة، فقط من أجل التشويش على استحقاق مغربي مشروع، قائم على معايير قانونية وموضوعية يعرفها القاصي والداني.
غير أن الخطير في الأمر، ليس فقط هذا التهجم الظرفي، بل ذلك التسلل الممنهج إلى عمق الثقافة المغربية، ومحاولة إعادة كتابة تاريخها وفق أهواء دخيلة، ليست وليدة اللحظة، بل هي مسار ، يتكرر كلما اعتقد البعض أن الذاكرة الجماعية، يمكن اختراقها أو الالتفاف عليها. قبل سنوات، مرّت مثل هذه المحاولات مرور الكرام، دون أن تجد من يتصدى لها بالقدر الكافي من الحزم والتفكيك، ربما لانشغال الرأي العام بقضايا أخرى، أو لأن “الضجيج” آنذاك لم يكن بنفس الحدة التي نشهدها اليوم.
 وهنا، نصل إلى بيت القصيد، حين أقدم “صاحبنا” على الخوض في موضوع الملحون المغربي، مستندًا إلى مصادر مشبوهة، ومقدمًا قراءة مغلوطة لهذا الفن العريق، الذي لا يمكن اختزاله في بضعة أسطر منقولة هنا وهناك.
غير أن ما كان يُنشر في زوايا معتمة من الإعلام أو في منصات محدودة الانتشار، لم يكن في حقيقته سوى بذور لروايات مغلوطة، تُبنى على اجتزاءات، وتُسند إلى “شهادات” تفتقر إلى الحد الأدنى من الدقة العلمية. واليوم، وقد سقط بين أيدينا هذا الأرشيف، يتضح أن الأمر لم يكن مجرد اجتهاد عابر، بل محاولة واعية، لإعادة تركيب صورة ثقافية وتاريخية على مقاس معين، يفرغها من عمقها المغربي الأصيل.
ذلك الأرشيف يكشف، بلا لبس، كيف تم التعامل مع معطيات حساسة بخفة غير مبررة، وكيف جرى تقديم خلاصات جاهزة، وكأنها حقائق نهائية، في حين أنها لا تعدو أن تكون قراءات انتقائية، تخدم سردية محددة. والأسوأ من ذلك، أن هذا الطرح، لم يجد حينها من يفككه ويضعه في سياقه الصحيح، فبقي معلقًا في الفضاء الرقمي، قابلاً للاستدعاء في أي لحظة، كما يحدث اليوم.
لكن الزمن تغيّر. فالمغاربة اليوم أكثر وعيًا بقيمة تراثهم، وأكثر يقظة تجاه كل ما يمكن أن يمس ذاكرتهم الجماعية. ولم يعد من السهل تمرير مثل هذه الادعاءات دون تمحيص أو مساءلة، خاصة في ظل توفر وسائل البحث والتوثيق، وتنامي الاهتمام الأكاديمي بالتراث اللامادي.
إن استحضار هذا الأرشيف اليوم، لا يدخل في باب النبش المجاني في الماضي، بل يندرج ضمن واجب التصحيح، وإعادة الأمور إلى نصابها. فالتاريخ، كما هو معلوم، لا يُبنى على النوايا، بل على الوقائع الموثقة، والشهادات المتقاطعة، والدراسات الرصينة. وأي محاولة للالتفاف على هذه الأسس، سرعان ما تنكشف، مهما طال الزمن.
ثم إن الحديث عن التراث المغربي، بكل مكوناته، ليس حديثًا عن مادة جامدة يمكن إعادة تشكيلها وفق الرغبات، بل عن كيان حي، يتجدد باستمرار، ويحمل في طياته تراكمات قرون من التفاعل الحضاري. ومن هنا، فإن أي قراءة له، خارج هذا السياق، تكون بالضرورة قراءة مبتورة، تفتقد إلى العمق والموضوعية.
لذلك، فإن الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة: لم يعد ممكنًا السكوت عن مثل هذه المحاولات، ولا ترك المجال مفتوحًا أمام من يسعون إلى خلط الأوراق. فالمغرب، بتاريخِه وثقافتِه، ليس أرضًا بلا حراس، وذاكرتُه ليست صفحة بيضاء تُكتب عليها الروايات كيفما اتفق.
وإذا كان هذا الأرشيف قد مرّ في صمت قبل سنوات، فإنه اليوم يُعاد طرحه تحت مجهر النقد، لا بدافع الرد فقط، بل من أجل ترسيخ وعي جماعي يُحصّن الأجيال القادمة من مثل هذه الانزلاقات. فالمعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست مع شخص أو جهة بعينها، بل مع كل محاولة لطمس الحقيقة، أو إعادة صياغتها خارج سياقها الطبيعي.
فالملحون، كما هو ثابت في الدراسات الأكاديمية والتاريخية، ليس مجرد لون غنائي عابر، بل هو منظومة ثقافية متكاملة، نشأت في الجنوب الشرقي للمغرب، وتحديدًا في منطقة تافيلالت، قبل أزيد من خمسة قرون. وقد ارتبط هذا الفن بالحياة اليومية للمغاربة، فكان لسان حالهم، ومرآة تعكس أفراحهم وأحزانهم، كما كان وسيلة للتعبير عن قضايا دينية واجتماعية ووطنية.
وقد تطور الملحون عبر مراحل متعددة، حيث انتقل من فضائه الصوفي إلى الفضاء الحضري، دون أن يفقد روحه الأصيلة، بل استطاع أن يزاوج بين العمق الروحي والبساطة التعبيرية، معتمدًا على الدارجة المغربية كلغة أساسية، في انسجام تام مع وجدان العامة. وهذا ما يفند الادعاءات التي تحاول نسب هذا الفن إلى العربية الفصحى أو تقديمه كامتداد مباشر لتجارب خارجية، في تجاهل تام لخصوصيته المغربية.
ولم يكن إدراج الملحون ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، بعد ذلك من طرف اليونسكو في دجنبر 2023 إلا تتويجًا لمسار طويل من الاعتراف الدولي بقيمة هذا الفن، الذي يشكل أحد أعمدة الهوية المغربية. وهو اعتراف لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى ملفات موثقة، وأبحاث معمقة، وشهادات خبراء من مختلف أنحاء العالم.
لكن، ورغم هذا الوضوح التاريخي، يصر البعض على الاصطياد في المياه العكرة، عبر اجتزاء المعطيات، وتحريف الوقائع، وتقديم روايات بديلة لا تصمد أمام أبسط تمحيص. وهنا، لا بد من التذكير بأن التاريخ المغربي، بتعدد روافده وغناه، ليس مجالًا مفتوحًا للعبث، ولا أرضًا سائبة يمكن لكل من هب ودب أن يعيد تشكيلها وفق هواه.
إن المغرب، الذي راكم عبر قرون إرثًا حضاريًا متنوعًا، من الأندلس إلى الصحراء، ومن الجبال إلى السواحل، لا يحتاج إلى شهادة من هذا أو ذاك لإثبات أصالته. فثقافته حية في تفاصيل الحياة اليومية، في لغته، في موسيقاه، في طقوسه، وفي ذاكرته الجماعية التي لا يمكن تزويرها بسهولة.
ولعل المفارقة المؤلمة، أن بعض من فشلوا في إثبات ذاتهم داخل بلدانهم، يحاولون تعويض ذلك عبر مهاجمة الآخرين، متوهمين أن الإساءة قد تمنحهم شهرة مؤقتة. غير أن هذه الشهرة، إن تحققت، فهي من النوع الذي يزول سريعًا، تاركًا وراءه صورة مشوهة، لا لصاحبها فقط، بل لكل من يسير على نفس النهج.
وفي الختام، يمكن القول إن المغرب، رغم كل ما يتعرض له من حملات، يظل واقفًا بثبات، مستندًا إلى تاريخ عريق، وشعب واعٍ، ومؤسسات قادرة على حماية مكتسباته. أما أولئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم النيل من هذا الصرح، فهم كمن يحاول حجب الشمس بغربال، أو كما يقول المثل المغربي: “اللي ما عندو ساس، ما يعلى راس”.
فإذا كان “تاريخ” البعض قابلًا للتلاعب، أو عرضة للتوظيف الظرفي، فإن التاريخ المغربي، بشتى ألوانه، يظل عصيًا على التحريف، محصنًا بذاكرة شعب لا ينسى، وبحقائق لا يمكن طمسها، مهما علت الأصوات، أو تعددت الأقنعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.