صراع بلا رصاص: حرب الدبلوماسية التي تعيد رسم المنطقة وتُكرّس مغربية الصحراء

محمد سلاوي/ دبلوماسي سابق
أخاطبكم مباشرة، أعزائي القراء، لأضع بين أيديكم خلاصة قراءة متأنية لمسار طويل من التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، كما أراها من خلال تتبع تطوراته في السنوات الأخيرة.
ما يمكن التأكيد عليه اليوم، وبقدر كبير من الموضوعية، هو أن المغرب راكم مجموعة من المكتسبات الدبلوماسية المهمة، لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مقاربة استراتيجية اعتمدت على النفس الطويل، والتدرج، والعمل الهادئ بعيداً عن الانفعالات. هذه المقاربة، كما تبدو لي، لم تكن ظرفية، بل هي رؤية ممتدة في الزمن، مكنت المملكة من بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية التي تحولت تدريجياً إلى مواقف داعمة أو متفهمة لوجهة النظر المغربية.
ولعل أبرز ما يمكن تسجيله في هذا السياق، هو انخراط قوى دولية وازنة في دعم هذا التوجه، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب إسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وهو ما يعكس تحولاً في موازين المواقف داخل دوائر القرار الدولية. كما لا يمكن تجاهل ما عرفه موقف الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الإفريقية، من تطور تدريجي نحو مزيد من البراغماتية والانفتاح، بعيداً عن الطروحات الجامدة التي طبعت مراحل سابقة.
وفي السياق نفسه، أصبح افتتاح القنصليات في الأقاليم الجنوبية مؤشراً عملياً على هذا التحول، ليس فقط كخطوة رمزية، بل كترجمة ملموسة لاعتراف متزايد بالأمر الواقع السياسي والدبلوماسي الذي تراكم عبر السنوات.
وعندما ننظر إلى الصورة الأشمل، نجد أن أكثر من مائة دولة، بدرجات متفاوتة، باتت تتعامل إيجابياً أو تفهماً مع الموقف المغربي، وهو ما يؤدي، في المقابل، إلى تراجع هامش التحرك الدبلوماسي لدى الأطراف المناوئة لهذا الطرح، وفي مقدمتها جبهة البوليساريو، التي تجد نفسها اليوم في وضع أكثر تعقيداً، في ظل محدودية الاعتراف الدولي بها مقارنة بالمراحل السابقة.
لكن، ومن باب الإنصاف في التحليل، لا يمكن الاكتفاء فقط باستعراض هذا التقدم، دون التوقف عند جوانب أخرى من الصورة. فهناك، في المقابل، خطاب جزائري يعتمد، في تقديري، على أدوات متعددة، تشمل التصعيد الدبلوماسي، وتكثيف الحملات الإعلامية، وتوظيف روايات متباينة في المحافل الدولية. وهي مقاربة يمكن وصفها بأنها تقوم على إدارة الصراع، أكثر من البحث عن تسوية واقعية له، وهو ما يساهم في استمرار التوتر بدل تقليصه.
وقد عايشت، شخصياً، بعض هذه الأجواء داخل فضاءات دولية، حيث يتجلى بوضوح حجم التباين في المواقف، وحدّة النقاشات المرتبطة بهذا الملف، مما يعكس أن القضية لا تزال حاضرة بقوة في أجندة العلاقات الإقليمية والدولية، رغم التحولات الجارية.
ومع ذلك، وبكل صراحة، أرى أن أحد التحديات الأساسية التي تواجه المغرب اليوم، لا يتعلق فقط بما يُنجز على الأرض الدبلوماسية، بل بكيفية تقديم هذه الإنجازات والتعريف بها. فهناك، في رأيي، ضعف واضح في التواصل الاستراتيجي، سواء على المستوى الإعلامي أو الأكاديمي أو حتى الثقافي. وهذا النقص يجعل بعض المكاسب غير مرئية بالشكل الكافي للرأي العام الدولي، ويترك مساحة لخطابات مضادة قد تكون أكثر حضوراً في بعض المنصات.
من هنا، أوجه حديثي إليكم، وإلى كل الفاعلين المعنيين، بأن المرحلة الحالية لم تعد تحتمل الاكتفاء بالإنجاز، بل تتطلب أيضاً قوة في التبليغ، وتنظيماً في الخطاب، وتنسيقاً بين مختلف المستويات: الدبلوماسية، الإعلامية، والبحثية، حتى يتم تثبيت هذه المكتسبات وتعزيز حضورها في الوعي الدولي بشكل أكثر رسوخاً ووضوحاً.
وفي أفق أبعد من هذا كله، أؤمن، كما يعتقد كثيرون، أن مستقبل المنطقة المغاربية لن يكون مستقراً أو مزدهراً دون تجاوز هذا النزاع المفتعل أو المتراكم. فالتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك بين الشعبين المغربي والجزائري يجعل من فكرة المصالحة خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف.




