الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

صرخة نحو العدالة الداخلية داخل أجهزة الأمن الوطني

ضربة قلم

قبل سنوات قليلة، وبالضبط في آخر أيامه قبل التقاعد، كان أحد ضباط الشرطة، الذي قضى حياته بين الدوريات وحفظ القانون، يراقب سير الأمور في منطقته بحذر ودقة. في تدوينة مطوّلة على حسابه في الفيسبوك، قرّر أن يروي ما حدث له، ويكشف ما يعيشه بعض ضباط الصفوف الأولى من ضغوط وسلوكيات غير معلنة داخل منظومة الأمن الوطني.

يحكي الضابط أنه في أحد الأيام، أثناء تأدية مهامه الروتينية، وقع حادث غير متوقع: أحد أصحاب الرساميل، رجل ميسور له تأثير واضح في المدينة، ارتكب مخالفة قانونية مباشرة وواضحة. لم يكن الأمر يتعلق بخطأ صغير، يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه، بل بخرق صارخ للقانون، كان يمكن أن يمرّ مرور الكرام، لو لم يكن الضابط حاضرًا.

في تلك اللحظة، طبّق الضابط القانون بكل حزم، دون اعتبار لمن يكون الرجل أو ما هو وضعه الاجتماعي، رغم أن تصحيح المخالفة القانونية كان يتم بمبادرة شخص أكبر منه رتبة. العملية كانت سريعة وعادلة في آن واحد، كما وصفها بنفسه: “طبّقت القانون أمامه وفي رمشة عين، دون تأخير، دون تحيز… مجرد الالتزام الصارم بالنصوص، حتى عندما تدخلت الرتبة الأعلى لاحقًا لتصحيح الأمر”.

ولكن، منذ ذلك اليوم، بدأت سلسلة من الضغائن الداخلية. الضابط أصبح فجأة شخصًا غير مرغوب فيه داخل المنظومة الأمنية. زملاء كانوا يضحكون معه ويتعاونون، تحولوا إلى مراقبين حذرين، ثم إلى منتقدين صامتين، وأخيرًا إلى خصوم يفتعلون المشاكل له في كل مناسبة، حتى أن تواجده في أي نشاط رسمي أو اجتماعي أمني أصبح محل توتر وريبة.

المكان الذي وقع فيه الحادث ليس عاديًا؛ إنها مدينة يغلب عليها الطابع البدوي، حيث العلاقات الشخصية والعائلية ممتدة عبر أجيال، والعادات والتقاليد أحيانًا، تتجاوز النصوص القانونية. وكان على رأس هذه المنطقة الأمنية، رجل قد قضى فيها عمرًا طويلًا، لا يعرف أحد كيف استمر في منصبه، حتى بعد تجاوز سن التقاعد والتعاقد، ظل الغموض يكتنف طبيعة بقائه في منصبه طويلاً: هل تم تمديد عقده بالمجان؟ أم استمر عن طريق نفوذ وعلاقات؟ الأمور لم تتضح، لكن تأثيره على البيئة الأمنية استمر في مدينة شفافة، معروفة بمحترفي إحصاء العيوب قبل المحاسن. حين غادر، كان يبدو وكأنه يجب أن تُقام جنازة رمزية للمنصب الذي رحل دون عودة.

الضابط الذي عاش تجربة مواجهة السلطة الموازية للنفوذ الاجتماعي، أصبح نموذجًا لشريحة من الموظفين داخل الأمن الوطني، الذين يرون أن تطبيق القانون بشكل صارم وأخلاقي قد يأتي أحيانًا بثمن شخصي باهظ. فقد أصبح مستهدفًا، مهمشًا، ومطاردًا بالضغائن اليومية، رغم أنه لم يفعل سوى أداء واجبه.

في تدوينته، لم يكتفِ بالحديث عن تجربة شخصية، بل أشار إلى ضرورة تأسيس آلية رسمية داخل الأمن الوطني، تتجاوز التدخلات الفردية أو الضغوط الإدارية. اقترح أن تتعاون مديرية الأمن الوطني مع المجلس التأديبي لإنشاء ما أسماه “المجلس التحقيقي”، الذي سيكون مكلفًا بالنظر في القضايا المتعلقة بالظلم الواقع على أي عنصر من العناصر الأمنية، سواء كانت الضغوط نابعة من النفوذ الاجتماعي أو التراتبية الداخلية.

وأضاف: “يجب أن تكون هناك هيئة مستقلة داخل المنظومة نفسها، تحمي كل من يلتزم بالقانون، ويحافظ على مبادئ العمل الأمني، دون أن يُعاقب بسبب النزاهة أو الجرأة على تطبيق القانون”.
وبحسب رأيه، فإن وجود مثل هذا المجلس سيعيد الثقة إلى النظام الأمني، ويضمن أن الانضباط ليس وسيلة للقمع، بل ضمان للعدالة الداخلية.

هذه القصة، وفق الضابط، ليست مجرد حادث فردي، بل نموذج لما يحدث داخل بيئات محلية، حيث النفوذ الشخصي والعائلي قد يطغى على النصوص القانونية. وهي دعوة مفتوحة للإصلاح، ليست للظهور الإعلامي فقط، بل لبناء بيئة عمل حرة من الضغائن الداخلية، عادلة، وملتزمة بالقانون، حيث يكون كل ضابط أو غيره، قادرًا على أداء مهامه دون خوف أو تهديد، وحيث يُعامل تطبيق القانون كأمانة وواجب، وليس تهديدًا أو خطرًا شخصيًا.

خلاصة:
تجربة الضابط تُظهر أن تطبيق القانون أحيانًا يكون مكلفًا اجتماعيًا ومهنيًا، وأن المنظومة بحاجة إلى آليات حماية للموظفين الملتزمين بالقانون. إنه صرخة واضحة نحو العدالة الداخلية داخل أجهزة الأمن الوطني، حيث يكون من حق كل عنصر أن يكون محميًا، ليس فقط أمام القانون، بل أيضًا أمام الضغائن البشرية والإدارية.

تنبيه: الصورة تعبيرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.