صعوبات النسخ… وفضيحة “مدارس الريادة”: حين يُطلب من الإدارة التربوية إنجاز الامتحانات بموارد شخصية

ضربة قلم
ليس جديدًا أن يعاني العاملون في قطاع التعليم من غياب الإمكانات. الجديد هو أن تتحول هذه الفجوة إلى أزمة وطنية، بعدما أصبحت المؤسسات التعليمية عاجزة عن نسخ فروض المراقبة المستمرة الخاصة بمدارس الريادة، رغم أن الوزارة تعتبر هذه المؤسسات “نموذجًا” و”واجهة إصلاحية”.
لكن أي ريادة هذه التي لا تضمن حتى ورقة A4 وقطعة مداد؟
المتصرفون التربويون: جنود بموارد شخصية
خلف أسوار المؤسسات التعليمية، هناك فئة تُسمّى “المتصرفون التربويون”، أشخاص يشتغلون في صمت، يدبرون اليومي الكارثي بمنطق “منين نجيب؟”. هؤلاء يُطلب منهم تنظيم الامتحانات، طبع الفروض، تدبير الاجتماعات، التأشير، الكتابة، التنسيق… وكل ذلك بمواردهم الذاتية.
-
إن كنت محظوظًا، ستحصل على رزمة ورق من جماعة محلية لا تعرف حتى اسم المؤسسة.
-
وإن كنت أكثر حظًا، ستجد آلة نسخ صدئة، تتنفس بصعوبة، وتتعطل بعد كل ثلاث أوراق، وتحتاج ضربًا خفيفًا على الجانب كي تعود للحياة.
-
أما إن كنت تعيسًا – وغالبًا هذا هو الواقع – فسوف تضطر لاستعمال حاسوبك الشخصي، وشراء الورق من جيبك، وتغيير مداد الطابعة بنفسك، لأن الوزارة لم توفر شيئًا.
وما لا يعلمه الرأي العام هو أن المتصرفين التربويين في العديد من المؤسسات يساهمون من رواتبهم الهزيلة في:
-
شراء الورق
-
شراء المداد
-
إصلاح آلات النسخ
-
شراء كابلات، أقراص صلبة، أقفال، مجففات هواء، وحتى المصابيح
-
وفي بعض الأحيان… شراء قنينة ماء كبير من جيبه الخاص لضمان بقاء الإدارة تعمل!
كل هذا بينما تُصدر الوزارة مراسلات مزيّنة بعبارات “التنزيل الفوري” و”الجاهزية” و”ضمان الجودة”.
30 ألف ورقة… بلا سنتيم واحد
تشير بعض المصادر إلى أن بعض المؤسسات اضطرّت لطباعة أكثر من 30 ألف ورقة في فترة قصيرة.
تخيّل مؤسسة تعليمية تشتغل كأنها دار للطباعة، دون أن تتوفر على أبسط ما يحتاجه الناس في المنزل:
-
لا ورق
-
لا مداد
-
لا تقني
-
لا ميزانية
-
لا تكوين
-
لا دعم لوجستي
ومع ذلك، تطالب الوزارة المديرين والمتصرفين بـ”تنزيل النموذج الجديد”، وكأنهم يمتلكون مطابع شمسية أو مصنعا صغيرًا للورق في الفناء الخلفي.
الإدارة التربوية تحولت إلى ورشة نجارة
في الواقع، أصبحت الإدارة التربوية “صنّاعًا متعددَي المهام”.
مدير مؤسسة اليوم هو:
-
مدير
-
كاتب
-
تقني نسخ
-
محاسب
-
سمكري
-
ميكانيكي آلة النسخ
-
وسيط مع مصالح خارجية
-
وأحيانًا… حتى “مول الحانوت” الذي يشتري الورق والطباشير.
فأي دولة هذه التي تُلقي مسؤوليات بهذا الحجم على ظهر موظف حكومي، دون أن تمنحه ولو صندوقًا صغيرًا للموارد؟
الوزارة تُقرر… والمؤسسات تدفع الثمن
النائب البرلماني لخص الكارثة بكلمة دقيقة:
“فجوة بين القرارات المركزية والواقع الميداني”.
فالوزارة تتخذ القرارات بسرعة، وبدون تشخيص، وبدون حساب، وبدون حتى زيارة مؤسسة لمعرفة ماذا تملك وماذا ينقصها.
في الرباط:
خطابات عن “الريادة” و”التحول البيداغوجي” و”التقييم الحديث”.
في الميدان:
ورقة واحدة تُقسم بين ثلاثة أساتذة، ومدير يشتري علبة أوراق من ماله الخاص، وآلة نسخ يُنفخ فيها، كما ينفخ اللاعب في صفارته.
أين هو “التحول” في منظومة تُدار بالصدقة المهنية؟
هل يُعقل أن تُعطى تعليمات وطنية لامتحانات تعتمد على آلاف النسخ، دون أن يتم إرسال:
-
ميزانية
-
ورق
-
مداد
-
آلات جديدة
-
أو حتى إطار تقني واحد؟
كيف تتحدث الوزارة عن “مدارس الريادة”، فيما الإدارات فيها تبحث عن “أوراق الريادة” في محلات بيع اللوازم المكتبية؟
هل الريادة هي في توسل الورق؟
هل الريادة هي في إهانة الإدارة التربوية وتحويلها إلى ورشة “طبع غير مرخّص”؟
أم الريادة هي في خطابات المؤتمرات فقط؟
المتصرفون التربويون: العمود الفقري المنسي
رغم كل هذا، يشتغل المتصرفون التربويون بانضباط يليق بالدول المتقدمة.
هم يديرون المؤسسات دون أدوات، يدبرون الأزمات بدون ميزانية، ويدفعون ثمن فشل التخطيط الذي صنعته الوزارة في المكاتب المكيفة.
هؤلاء يستحقون:
-
تكوينًا محترمًا
-
إمكانات لوجستيكية حقيقية
-
ميزانية تشغيل
-
دعمًا تقنيًا
-
واحترامًا قبل كل شيء
لأنهم – ببساطة – هم من يُبقون المدرسة على قيد الحياة.
خلاصة ثورية
إن مشكل نسخ فروض مدارس الريادة، ليس مجرد أزمة تقنية، بل فضيحة حقيقية تكشف:
-
غياب التخطيط
-
غياب الموارد
-
غياب العدالة اللوجستيكية
-
المركزية العمياء
-
استهتار الوزارة بالميدان
لقد حان الوقت لمقاربة جديدة، تُعيد الاعتبار للمدرسة، للمدير، للمتصرف التربوي، وللمؤسسة التي تعتمد اليوم على الصدقة الذاتية لا على ميزانية دولة.




