الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

صفة الخبير ليست لقبًا مجانيًا: قراءة في ظاهرة الانتحال المهني

ضربة قلم

لم يعد انتحال الصفة مجرد سلوك معزول، أو تصرف فردي عابر، بل أضحى، في بعض المجالات، ظاهرة مقلقة، تتسلل بهدوء إلى المجتمع، مستفيدة من ضعف الوعي القانوني، لدى فئات واسعة من المواطنين، ومن هشاشة الرقابة أحيانًا، ومن جرأة بعض الأشخاص على ارتداء صفات ليست لهم، دون خوف من المساءلة أو المحاسبة.

ومن المعلوم قانونًا، أن كل من ادعى صفة مهنية منظمة، وهو لا يحملها، يُعد في حكم المنتحل لصفة يعاقب عليها القانون. فالصحافي، والطبيب، والمهندس، والخبرة القضائية، ورجل السلطة، والقاضي، والدركي… جميعها صفات لا تُكتسب بالادعاء ولا بالممارسة العشوائية، وإنما تُمنح بمقتضى نصوص قانونية واضحة، وبناءً على شروط دقيقة، وبحيازة بطاقة مهنية أو قرار إداري أو قضائي يثبت الصفة.

إن المبدأ القانوني في هذا الباب لا لبس فيه:
لا صفة بدون سند قانوني.
ولا ممارسة لمهنة منظمة بدون ترخيص.
ولا حماية قانونية، لمن يتقمص أدوارًا لم يُخول له القانون حملها.

وإذا كان انتحال صفة صحافي يُعد جريمة يعاقب عليها القانون، فإن الادعاء الكاذب بصفة “خبير” لا يقل خطورة، بل قد يكون أشد أثرًا، لما يترتب عنه من تضليل للمحاكم، وتوجيه خاطئ للعدالة، وخلخلة لمبدأ الثقة، في التقارير التقنية والقضائية.

فالخبير القضائي، وفق ما ينظمه القانون، لا يصبح خبيرًا إلا بعد استيفاء شروط محددة، من بينها:

  • التكوين المتخصص.

  • التوفر على شهادات علمية وتقنية دقيقة.

  • أداء اليمين القانونية أمام رئيس المحكمة والوكيل العام للملك المختص.

  • التسجيل الرسمي في جدول الخبراء المعتمدين لدى السلطة القضائية.

وتتوزع مجالات الخبرة بين الميكانيك، والحرائق، والطاقة، والبناء، والمحاسبة، والطب الشرعي، وغيرها من التخصصات التي تتطلب كفاءة عالية ومسؤولية جسيمة، لأن تقرير الخبير، قد يكون عنصرًا حاسمًا، في إدانة شخص أو تبرئته، أو في تحديد تعويضات مالية، أو في إثبات مسؤوليات مدنية وجنائية.

غير أن الواقع، المؤلم أحيانًا، يكشف عن بروز أشخاص يوقعون تقارير، أو يقدمون أنفسهم للعموم، على أنهم “خبراء”، في حين أن مستواهم المهني لا يتجاوز مستوى عامل أو تقني، بل إن بعضهم لم يتلقَّ أي تكوين علمي، يؤهله أصلًا للخوض في مسائل تقنية دقيقة، بينما نجد حتى المهندسين الحقيقيين يتحفظون عن ادعاء صفة خبير، لعلمهم أن الخبرة القضائية وضع قانوني خاص، وليس مجرد مستوى دراسي أو تجربة ميدانية.

وهنا تتجلى المفارقة الصارخة:
أصحاب الشهادات يتحرجون من الادعاء،
وأشباه المهنيين يتسابقون إلى الألقاب.

إن أخطر ما في هذا السلوك، ليس فقط خرق القانون، بل استغلال جهل الآخرين وضعفهم. فكثير من المواطنين لا يميزون بين:

  • الخبير القضائي المعتمد،

  • والخبير المزعوم،

  • والتقني العادي،

  • والمتطفل على المهنة.

وهذا ما يجعل بعض المنتحلين، يستمدون قوة موهومة من هشاشة ضحاياهم، ويستثمرون في الخوف، وفي الحاجة، وفي حسن النية، ليصنعوا لأنفسهم سلطة زائفة، ومكانة غير مستحقة، ونفوذًا قائمًا على الوهم لا على الشرعية.

إننا أمام سلوك يمس بثلاث قيم أساسية:

  1. هيبة المهن المنظمة.

  2. نزاهة المساطر القضائية.

  3. حق المواطن في الحماية من التدليس المهني.

ولهذا، فإن التنبيه هنا ليس ترفًا فكريًا، ولا مبالغة إعلامية، بل هو نداء صريح إلى النيابة العامة، باعتبارها ممثلة للمجتمع وحامية للقانون، من أجل:

  • التحري في صفات من يقدمون أنفسهم، كخبراء أو أصحاب صفات مهنية حساسة.

  • التحقق من وجودهم في الجداول الرسمية.

  • عدم التساهل، مع من يثبت تورطه، في انتحال صفة منظمة قانونًا.

فالنيابة العامة، التي لا تتجزأ في مهامها، مطالبة باستعمال أقصى درجات الحيطة والحذر، مع كل من سولت له نفسه استغلال الألقاب والصفات التي لا يستحقها، لأن التغاضي عن هذه الظاهرة قد يؤدي إلى:

  • ضرب مصداقية العدالة.

  • تشجيع الفوضى المهنية.

  • تحويل القوانين إلى مجرد نصوص بلا أثر.

إن المجتمع لا يحتمي فقط بالقوانين المكتوبة، بل بحسن تطبيقها.
ولا ينهار فقط حين تنتشر الجريمة، بل حين يصبح الادعاء بغير حق أمرًا عاديًا.
ولا يُظلم فقط حين يُدان البريء، بل حين يُسمح للدجالين، بأن يتكلموا باسم الخبرة، وللمزيفين بأن يتحدثوا باسم القانون.

وهنا، يصبح السؤال مشروعًا:
إلى متى يُترك المجال مفتوحًا لانتحال الصفات؟
وإلى متى يُترك المواطن وحيدًا، أمام أسماء وألقاب لا سند لها؟
ومتى تتحول صرامة القانون، من نص إلى ممارسة؟

إن حماية المهن المنظمة، ليست دفاعًا عن فئة، بل دفاع عن المجتمع بأكمله.
والمعركة ضد انتحال الصفة ،ليست معركة قانونية فقط، بل معركة وعي، ومسؤولية، وثقة في المؤسسات.

ولهذا، فإن هذا النداء موجَّه إلى النيابة العامة، وإلى الجهات المختصة، وإلى كل من يعنيه أمر العدالة:
اضبطوا الصفات، قبل أن تضيع الحقوق،
وتحققوا من الألقاب، قبل أن تتحول إلى أدوات تدليس،
واحرسوا القانون، قبل أن يتحول إلى ديكور.

لأن أخطر الجرائم ليست دائمًا تلك التي تُرتكب بالسلاح،
بل تلك التي تُرتكب بالقلم المزيَّف،
والصفة المزورة،
والثقة المسروقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.