الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

صفقات على المقاس وشهادات بالتقسيط: مبديع ومن معه في مسرحية “الإنكار الوطني”!

ضربة قلم

آه يا بلاد الصفقات، ويا وطن الشهادات المرجعية التي تُستخرج من أدراج اللاشيء، ويا أرض التحويلات المالية التي تسير بنعومة زبد البحر… جلسة جديدة من محاكمة محمد مبديع، الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، تحولت إلى ما يشبه عرضًا مسرحيًا عبثيًا، أبطاله موظفون، ومتهمون، ووثائق تقول “أنا مزورة”، وأموال تقول “أنا نُقلت نقدًا”، وضمائر تقول “أنا في عطلة مفتوحة إلى أجل غير مسمى”.

في قاعة المحكمة، وقف أحد المتهمين وكأنه جاء ليحكي قصة خيالية من أيام ألف ليلة وليلة، لكن الفرق أن الفرقة الوطنية دونت، وحتى المفتشية العامة لوزارة الداخلية قالت كلمتها… وهو ما زال يبتسم قائلاً إن المستخدمة التي فجّرت التصريحات “لا تفهم شيئًا في الصفقات”! يا سلام! وهل فهمت هي الصفقات أم رأت فقط أوراقًا لا تطابق معايير القانون، وضمانات تتقلص وتمطّ كأنها قطعة مطاط؟ المسكينة فقط تحدثت، فجعلوها جاهلة، لأن “الصفقات العمومية علم معقد”، لا يفقهه إلا قِلّة قليلة… من بينهم طبعًا، هذا المتهم العبقري الذي لا يُخطئ أبدًا، إلا في اختيار اليد العاملة.

المحكمة واجهته بتقارير التفتيش التي تحدثت عن تزوير… ردّ بكل ثقة: “الشهادات المرجعية حقيقية!”، والحقيقة هنا تشبه الشبح، الجميع يتحدث عنها، ولا أحد يراها. وهل يضحي المرء بسمعته من أجل الربح؟ بالطبع لا، لأننا جميعًا نعرف أن الأرباح تأتي فقط بالصلاة والعمل الجاد ودفتر تحملات نظيف كما قلب الأم!

ثم جاءت اللحظة الذهبية: السؤال عن التحويلات المالية، وهنا بلغ الإبداع ذروته، حين اعترف المتهم، بكل هدوء عجيب، أنه حوّل مبلغ 200 ألف درهم، ثم 300 ألف درهم إلى عضو في لجنة فتح الأظرفة… لا رشوة طبعًا، بل لأنه “كان يشتغل معه في مشروع الصرف الصحي”! يا سلام، أيّ صرف هذا الذي يحتاج إلى 500 ألف درهم تمر تحت الطاولة؟ هل هو صرف صحي أم صرف وقح؟

أما الدفع نقدًا لشركات المناولة؟ فذلك ليس فيه شيء، “هكذا كانوا يتعاملون”… فهل القانون عندنا يُكتب بالحبر أم يُمسح بممحاة النية الحسنة؟ المتهم لا يرى في الأمر ما يثير الشبهة، فقط أراد أن يُسهّل عليهم الحياة. نقدًا. في زمن الرقمنة. وتبادل المعطيات البنكية. والشفافية. كأننا في سوق أسبوعي لا في جماعة تُدبّر الملايين.

إنها قصة رجل أعمال مقاول، يشكو قلة اليد العاملة، لكنه لا يشكو من كثرة التحويلات. يستعين بالمناولة، ويُناوِل القيم، ويشرح للقاضي أن المستخدمة لا تعرف، وأن الصدفة وحدها جعلت كل شيء يبدو وكأنه خرق للقانون… بينما هو فقط يؤدي وظيفته كمقاول… وربما كفنان تشكيلي يرسم الفاتورات كيفما شاء.

أية عدالة هذه التي تُطارد الموظفين الصغار بينما تُحاط الاتهامات ضد “الكبار” بالإنكار الباذخ، والمبررات السريالية؟ ربما نحن في مهرجان وطني للكذب المحترف، أو في مسابقة وطنية للإنكار الذكي، أو في ورشة تكوينية بعنوان: “كيف تواجه القضاء دون أن تعترف، ودون أن تُتعب نفسك، ودون أن ترف لك عين؟”

في النهاية، سيبقى في الجلسات المقبلة من يُنكر، ومن يبرر، ومن يتذاكى… لكن المضحك – المبكي هو أن كل شيء واضح، إلا الحقيقة، فهي الوحيدة التي ما زالت تبحث عن مقعد في قاعة المحكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.