الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

صمت بين السطور

عبد الإله بوسيف

رسائل من ألمانيا.. تُكتب من هناك وتصل إلى هنا

بالأمس، لم يكن القلم صامتًا كما بدا.
كان يُنصت… وربما كان يتردّد.
وضعته جانبًا، لا كمن يتخلّى، بل كمن يخشى أن يقول ما لا يمكن التراجع عنه. كان الصمت يحيط به كدفءٍ خفيّ، نعم… لكنه في لحظاتٍ أخرى بدا كستارةٍ كثيفة، تُخفي أكثر مما تحمي. فليس كل صمتٍ رحيم، وبعضه لا يحتضننا… بل يؤجّل سقوطنا فقط.
الكلمات أيضًا لم تكن غائبة.
كانت هناك، تتجمّع في الظلّ، تتبادل همسًا لا يصل. بعضها كان يلحّ: “اكتبني الآن”، وبعضها الآخر كان يتراجع، كأنه يعرف أن خروجه سيغيّر شيئًا لا يمكن إصلاحه. لم تكن الكلمات تنتظر القلم فحسب… كانت تراقبه، وتختبر شجاعته.
الكلمات، حين تكون صادقة، تحتاج عتمتها لتنضج.
لكن تلك التي نُبقيها طويلًا في الظلّ… لا تنضج دائمًا. بعضها يتخمّر، نعم، لكنه قد يفسد أيضًا—يتحوّل إلى شيءٍ أثقل، أكثر غموضًا، وأقل قابلية للقول.
هناك، في تلك المسافة الصامتة بين يومٍ وآخر، كان شيءٌ ما يتشكّل، وشيءٌ آخر يتآكل. فكرةٌ تقترب من اكتمالها، وأخرى تفقد ملامحها. شعورٌ يبحث عن اسمه، وآخر يتعلّم كيف يعيش بلا اسم. لم يكن القلم غائبًا، بل كان عالقًا بين رغبتين: أن يرى بعمق… وأن يهرب من وضوحٍ قد يجرح.
كان يعرف ما الذي يخشاه.
ليس الحقيقة كاملة، بل تلك الجملة الصغيرة التي، إن كُتبت، ستجعل كل ما قبلها يبدو كذبًا أنيقًا.
واليوم، يعود… لكن ليس كما كان.
يعود مثقلًا بما أنصت له، وبما تجاهله أيضًا. لم يعد يرضى أن يكون مرآةً للأحداث، لكنه لم يتحرّر تمامًا من خوفه من ملامستها. صار يعرف أن الكتابة ليست دائمًا شجاعة خالصة… أحيانًا هي مساومة دقيقة بين ما نقدر على قوله، وما نختار أن نتركه خلفنا ونسمّيه صمتًا.
الكلمات هذه المرّة لا تنتظر بصبر.
بعضها صار أكثر حدّة، يطرق المعنى بإلحاح، وبعضها الآخر بهت، كأنه فقد إيمانه بأن يُقال. هناك كلمات تغيّرت ملامحها من طول الانتظار، وأخرى ماتت بصمتٍ نظيف، دون أن تترك أثرًا.
نحن نؤجّل كثيرًا.
نؤجّل البوح كما نؤجّل الألم، ونقنع أنفسنا أن الصمت حكمة. لكن بعض الصمت ليس حكيمًا… بل مريحٌ أكثر مما ينبغي. نخزّن ما يثقل، لا لأننا نمنحه وقتًا لينضج، بل لأننا لا نملك الجرأة لنواجهه. وهنا، لا يصبح الصمت أرضًا للمعنى… بل مقبرةً مؤجّلة.
ومع ذلك، تظلّ الكتابة عودة.
ليست دائمًا عودةً نقيّة أو شجاعة كما نحب أن نصدّق، بل عودة متردّدة، ناقصة، مشوبة بكل ما لم نقله. نجلس أمام أنفسنا، نحاول أن نكون صادقين، فنكتشف أننا نعرف كيف نختبئ حتى ونحن نكتب. نقول: هذا أنا… ثم نحذف، نلطّف، نعيد الصياغة، كأننا نبحث عن نسخةٍ محتملة من الحقيقة، لا عن الحقيقة نفسها.
القلم، حين يكون صادقًا، لا يسرع… لكنه أيضًا لا يختبئ طويلًا.
والكلمات، حين تُمنح فرصتها، لا تغفر دائمًا تأخيرها.
يعرف القلم أن الإصغاء ضروري، لكن الإفراط فيه قد يتحوّل إلى تأجيلٍ مقنّع. ويعرف أيضًا أن بعض الكلمات لا تنضج أكثر مهما انتظرنا… بل تبهت، أو تتآكل، أو تفقد قدرتها على النجاة.
لذلك، لم تكن استراحة الأمس انقطاعًا خالصًا، ولا كانت نضجًا كاملًا.
كانت شيئًا بينهما: تنفّسًا… وتردّدًا. شجاعةً صغيرة… وخوفًا أكبر بقليل.
واليوم، حين يلامس القلم الورق، لا يكتب بالحبر فقط.
يكتب بما تراكم في العتمة… وبما تعفّن فيها أيضًا.
تكتب معه الكلمات التي صمدت، وتلك التي وصلت متأخرة، مثقلة بما لم تُقَل في وقتها.
يكتب لأنه يعرف أن الحكايات لا تموت بالصمت…
لكن الكلمات تعرف شيئًا آخر:
أنها، إن تُركت طويلًا، قد لا تعود قادرة على أن تُنقذ ما كُتب من أجلها.
ومع ذلك… لا تختفي تمامًا.
بعضها يبقى عالقًا، لا في الصفحة، بل فينا.
يتغيّر شكله، يتخفّف من حدّته، أو يتقن فنّ الاختباء. نعتقد أننا تجاوزناه، بينما هو فقط غيّر لغته، وانتظر لحظةً أقل مقاومة.
الكلمات لا تموت بسهولة.
هي تؤجَّل، تُحرَّف، تُستبدل… لكنها نادرًا ما تختفي. وإن اختفت من الجملة، عادت في الشعور. وإن صمتت في الكتابة، تسرّبت إلى نبرة الصوت، أو إلى ذلك الصمت الطويل الذي يلي سؤالًا بسيطًا.
القلم يعرف ذلك الآن.
يعرف أن ما لم يُكتب لا ينجو بالضرورة، لكنه لا يضيع تمامًا أيضًا. يبقى كأثرٍ خفيّ، كميلٍ غير مفهوم، كجملةٍ ناقصة نحاول إكمالها في كل مرة بطريقة مختلفة… دون أن ندرك أننا نعود إلى الشيء نفسه.
ولهذا، لا يعود القلم اليوم ليقول كل شيء.
ولا ليصمت كما فعل من قبل.
يعود ليفعل شيئًا أقل ادّعاءً… وأكثر صدقًا قليلًا:
أن يقترب.
يقترب من تلك الجملة التي أخافته، دون أن يدّعي امتلاكها كاملة.
يقترب من الكلمات التي تأخّرت، دون أن يعاقبها على تأخّرها.
يقترب من نفسه، حتى لو لم يتعرّف عليها تمامًا.
فربما الكتابة ليست أن نقول الحقيقة كاملة،
ولا أن نختبئ منها بحذرٍ جميل…
بل أن نسمح لشيءٍ منها أن يحدث،
هنا، على الورق،
حتى لو جاء ناقصًا،
وحتى لو جاء متأخرًا.
القلم لا يضمن النجاة.
والكلمات لا تعد بها.
لكن بينهما…
تحدث المحاولة.
وربما، في تلك المحاولة تحديدًا،
تنجو الحكاية بما يكفي لتُروى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.