صمت حول مافيا الأعشاب الطبية والمكملات: ثراء ضخم على حساب صحة المغاربة

ضربة قلم
في الوقت الذي تفرض فيه القوانين واللوائح على شركات الأدوية شروطًا صارمة قبل تسويق أي دواء، من التجارب السريرية إلى تراخيص الوزارة ومراقبة الجودة، يتنامى في الظل سوق موازٍ للأعشاب الطبية والمكملات الغذائية، يكاد يفلت تمامًا من الرقابة، ويُشكّل تهديدًا صامتًا لصحة المواطنين.
محلات تنبت كالفطر
يكفي القيام بجولة قصيرة في أي مدينة مغربية لملاحظة الانتشار الكثيف لمحلات بيع “العلاجات الشعبية”، أو ما يسمّى بـ “العطارة الحديثة”، حيث تُعرض قنينات وأكياس تحمل وعودًا سحرية: علاج السكري، القضاء على السرطان، زيادة الخصوبة، إنقاص الوزن، تكبير العضلات… وكلها تُسوَّق دون أي دليل علمي أو موافقة طبية. هذه المحلات أصبحت تجذب فئات واسعة من المجتمع، من المرضى اليائسين إلى الشباب الباحث عن حلول سريعة.
أرباح خيالية وأسعار مرتفعة
وراء هذه التجارة تقف شبكات منظمة تستورد كميات ضخمة من المكملات عبر مسارات ملتوية، أو تُنتج خلطات مجهولة المصدر داخل مستودعات سرية. أرباحها خيالية، حيث تفوق في بعض التقديرات أرباح شركات الأدوية المحلية التي تخضع للضرائب والمراقبة. المفارقة أن بعض هذه المنتجات تُباع بأسعار مرتفعة جدًا، رغم أن كلفتها الأصلية هزيلة، وهو ما يعكس حجم الاستغلال.
صحة المواطن في مهب الريح
الخطر الأكبر يكمن في غياب المراقبة المخبرية لهذه المواد. فبعض الخلطات قد تحتوي على معادن ثقيلة أو مواد كيميائية محظورة أو حتى أدوية ملوثة. وفي حالات كثيرة، يؤدي الاستعمال العشوائي لهذه “العلاجات الشعبية” إلى تدهور صحة المرضى بدل تحسينها. هناك من أصيب بفشل كبدي أو كلوي، وهناك من تعرض لتسممات خطيرة بسبب الثقة العمياء في هذه المنتجات.
صمت رسمي يثير التساؤلات
رغم حجم المخاطر، يسود صمت رسمي لافت. فالمصالح الصحية نادرًا ما تتحرك لإغلاق هذه المحلات أو سحب المنتجات الضارة من الأسواق، في وقت يُلاحق فيه بصرامة الصيادلة والأطباء على أي خطأ بسيط. هذا التناقض يطرح علامات استفهام: هل هناك تواطؤ ضمني مع هذه المافيا؟ أم أن السلطات عاجزة عن ضبط سوق غير رسمي بهذا الحجم؟
البعد الاجتماعي والنفسي
جزء من قوة هذه التجارة يعود إلى الثقافة الشعبية التي تؤمن بالطب التقليدي، وإلى فقدان الثقة في المنظومة الصحية الرسمية بسبب غلاء الأدوية وصعوبة الولوج للعلاج. كثير من المرضى يرون في الأعشاب “ملاذًا آمنًا” وأقل كلفة مقارنة مع بعض الأدوية المكلفة، بينما هي في الواقع فخ قاتل في كثير من الأحيان.
سوق غير رسمي بملايين الدراهم
تشير التقديرات إلى أن سوق الأعشاب والمكملات الغذائية في المغرب يُدر ملايين الدراهم سنويًا، دون أن يخضع للضرائب أو مراقبة الجودة. والأدهى أن بعض القنوات التلفزية والصفحات الإلكترونية تساهم في الترويج لهذه المنتجات من خلال إعلانات مضللة، مما يمنحها “شرعية زائفة” أمام الجمهور.
الخلاصة: صحة المواطن ليست مجالًا للمقامرة
السكوت عن هذه المافيا يعني عمليًا ترك صحة المواطنين للمضاربة والفوضى. فكما لا يُسمح ببيع الأدوية دون وصفة ورقابة، يجب ألا يُسمح بانتشار هذه “العلاجات الشعبية” التي تُهدد حياة الناس وتُغذي جيوب تجار لا همّ لهم سوى الربح. إن المعركة ضد هذه الظاهرة ليست صحية فحسب، بل هي أيضًا معركة أخلاقية واقتصادية، تقتضي إرادة حقيقية من الدولة، ووعيًا جماعيًا من المواطنين.




