صوتوا علينا يرحمكم الله!

محمد صابر
قد يبدو من العنوان أعلاه أننا قررنا، في آخر لحظة، أن نترشح للانتخابات التشريعية، ونلتحق بقافلة الذين يطلبون من المواطنين أصواتهم، ويعدونهم بأن الغد سيكون أجمل، وأن الإصلاح على بعد ورقة انتخابية واحدة!
لكن لا…
صوتوا علينا يرحمكم الله ليست دعوة انتخابية، وإنما عنوان ساخر لموسم، يعود إلينا كل بضع سنوات، فتعود معه نفس الوجوه، ونفس الشعارات، ونفس الوعود، وأحياناً نفس الحكايات، التي يبدو أنها لا تنتهي إلا بانتهاء الحملة.
وغداً، الأربعاء 23 شتنبر 2026، سيكون المغاربة أمام الاستحقاق التشريعي الثاني عشر منذ الاستقلال، لاختيار أعضاء مجلس النواب، في انتخابات، يتنافس فيها عدد كبير من المرشحين على 395 مقعداً.
نحن، والحمد لله، لا نطلب من أحد أن يصوت علينا.
انتماؤنا لهذا الوطن يكفينا.
لهذا الوطن الذي نحبه، رغم ما فيه، وننتقده لأننا نريده أفضل، ونغضب من بعض ما يجري فيه، لأننا لا نريد أن تتحول السياسة إلى سوق موسمية، يدخلها البعض بوعود كبيرة ويخرج منها، إن حالفه الحظ، بمكاسب أكبر.
والانتخابات عندنا لها طقوسها الخاصة.
فما إن تقترب ساعة الصندوق، حتى يصبح المواطن فجأة:
عزيزاً، غالياً، شريكاً، وصاحب القرار!
صوته أصبح أمانة.
ومستقبله أصبح أولوية.
والشباب أصبح ثروة.
والمتقاعد أصبح في قلب البرامج.
والفقير أصبح عنواناً للتنمية.
أما بعد إغلاق الصناديق…
فالله أعلم، أين تذهب كل هذه المحبة الموسمية!
وهنا، تبدأ الحكاية الحقيقية.
تجد مرشحاً يرفع شعار محاربة الفساد.
جميل جداً.
لكن المواطن، الذي لم يعد يكتفي بالشعارات، قد يسأل:
ومن سيحارب الفساد داخل السياسة نفسها؟
ومن سيحاسب من يستعمل النفوذ؟
ومن سيسأل عن الامتيازات؟
ومن يفسر للمواطن كيف يمكن لبعض الناس أن يتحدثوا عن العدالة الاجتماعية بلسان، بينما يتحدث تاريخهم السياسي، أو الاقتصادي، أو الانتخابي بلسان آخر؟
وهنا نصل إلى واحدة من أطرف فقرات موسم الانتخابات:
حكاية الهكتارات بدرهم “ديال الطنز”!
مرشح أو متنافس يخرج ليحدث الناس عن خصمه، ويقول إن هذا الأخير استفاد من أرض شاسعة، أو هكتارات، بدرهم رمزي، بدرهم، لا يعرف المواطن هل هو درهم حقيقي أم درهم ديال الطنز!
والجمهور يسمع…
ويفتح عينيه…
ويقول:
يا لطيف!
هكتارات بدرهم؟
ثم يبدأ التصفيق، وكأن صاحب الحكاية، اكتشف للتو اختراعاً اسمه الفساد!
لكن مهلاً…
وهنا مربط الفرس!
ماذا لو كان صاحب هذه الرواية نفسه، ليس بعيداً عن عالم الريع والامتيازات؟
ماذا لو كان هو أيضاً، بحسب ما يتداوله الناس من وقائع وحكايات، يستفيد من موقع أو امتياز أو شبكة مصالح؟
هنا يصبح السؤال أكثر طرافة:
هل نحن أمام محاربة للفساد، أم أمام منافسة انتخابية بين من استفاد ومن كان يتمنى أن يستفيد؟
والأخطر من ذلك:
ماذا لو كانت “الهمزة” نفسها، قد وُضعت أمام الشخص الذي يفضحها اليوم؟
هل كان سيقول:
لا، شكراً، أنا رجل مبادئ؟
أم كان سيقول:
الله يجعل البركة!
نحن هنا نضع مرآة، أمام هذا النوع من الخطاب الانتخابي.
لأن المشكلة، ليست في أن يفضح المرشح خصمه، بل المشكلة تبدأ عندما يصبح الفساد تهمة صالحة فقط ضد الخصم، بينما يتحول الريع، عندما يقترب منا، إلى “فرصة”، وتتحول الهمزة إلى “حق مكتسب”، ويتحول الامتياز إلى “علاقة عادية”!
يا سلام!
نفس الشيء الذي يكون عند الخصم “فضيحة”، يصبح عند الصديق “تدبيراً”.
ونفس الأرض التي تصبح عند المنافس “نهباً”، تصبح عند القريب “استثماراً”.
ونفس النفوذ الذي يصبح عند الآخر “تدخلاً”، يصبح عندنا “معرفة بالناس”.
وهكذا تتحول الانتخابات إلى مباراة غريبة:
كل واحد يحمل مكنسة لتنظيف بيت خصمه، بينما يترك الغبار تحت سريره!
وهذه هي الكوميديا السوداء.
واحد يقول:
سأحارب الفساد!
والثاني يقول:
سأحارب الريع!
والثالث يقول:
سأحارب المحسوبية!
والرابع يقول:
سأعيد للمواطن كرامته!
لكن المواطن، وقد أصبح أكثر ذكاءً، مما يعتقد البعض، يسأل:
جميل… وماذا فعلتم عندما كانت الفرصة بين أيديكم؟
هنا فقط، تبدأ الأسئلة الصعبة.
لأن الانتخابات، ليست مسابقة في الخطابة.
وليست مباراة في رفع الصوت.
وليست بطولة في كشف عيوب الآخرين.
الانتخابات هي أيضاً امتحان للذاكرة.
ذاكرة المواطن.
ذاكرة المدينة.
ذاكرة القرية.
ذاكرة من رأى ومن سمع ومن عاش.
والناس، في نهاية المطاف، ليست كلها غافلة.
هناك من يتذكر، من كان يتحدث عن محاربة الفساد.
ومن كان يتحدث عن محاربة الريع.
ومن كان بالأمس يصف خصمه، بأنه جزء من المشكل، ثم جلس اليوم معه، وكأن شيئاً لم يكن.
ومن كان يلعن الهمزة في العلن، ثم يتمنى في سره، لو كانت الهمزة، قد مرت من أمام بابه!
وهذا هو سر العنوان:
صوتوا علينا يرحمكم الله!
لأن البعض يريد من المواطن أن يمنحه صوته، ثم يطلب منه بعد ذلك، أن يمنحه أيضاً ذاكرته!
وهنا نقول:
لا يا سادة.
خذوا الأصوات إن استحققتموها.
لكن اتركوا لنا ذاكرتنا.
اتركوا لنا حق السؤال.
اتركوا لنا حق المقارنة، بين ما قيل وما فُعل.
اتركوا لنا حق أن نسأل:
أين كنتم؟
ماذا فعلتم؟
ماذا غيرتم؟
وماذا بقي من وعودكم؟
فالانتخابات، لا ينبغي أن تكون موسماً لغسل الماضي بالشعارات.
ولا ينبغي أن يتحول المواطن إلى مجرد ورقة انتخابية، تُستعمل مرة كل خمس سنوات.
غداً، عندما يدخل المواطن إلى مكتب التصويت، لن يحمل معه فقط بطاقة الناخب.
سيحمل معه سنوات من التجربة.
سيحمل الأسعار.
والخدمات.
والإدارة.
والشغل.
والصحة.
والتعليم.
والطرق.
وما سمعه من وعود.
وما رآه من واقع.
وسيضع كل ذلك، بطريقة أو بأخرى، داخل تلك الورقة الصغيرة التي ستسقط في الصندوق.
أما قصة الهكتارات بدرهم “ديال الطنز”، فنتركها شاهداً ساخراً على شيء أكبر:
أن أسهل شيء في الانتخابات هو أن تتهم خصمك بالفساد، وأصعب شيء أن تسأل نفسك: ماذا كنت سأفعل لو كانت نفس الهمزة أمامي؟
وهنا يظهر الفرق بين السياسي الذي يريد محاربة الفساد فعلاً…
والسياسي الذي يريد فقط، أن يرث مكان الفاسد!
فغداً، ليس يوم توزيع البراءة على أحد.
وليس يوم تنصيب ملائكة فوق الأرض.
إنه يوم المواطن.
ويوم الصندوق.
ويوم الذاكرة.
أما بعد إعلان النتائج، فستنتهي الموسيقى، وستسقط الزينة، وستختفي بعض السيارات والشعارات من الشوارع.
وسيبقى السؤال الحقيقي:
هل جاء الذين طلبوا أصواتنا من أجل المواطن… أم جاءوا من أجل الكرسي؟
هنا يبدأ الامتحان.
وهنا ينتهي الكلام.
ولهذا نقول للمواطن، من موقع المتابع، لا من موقع المرشح:
صوتوا لمن ترونه يستحق أصواتكم، لكن لا تمنحوا أحداً صكاً على بياض.
فالمرشح يمكن أن يربح مقعداً…
لكن المواطن هو الذي يملك، في النهاية، ذاكرة السنوات الخمس.



