صوت الجوع أخطر من الشعارات

ضربة قلم
الأصوات المزعجة لم تعد تلك التي تصرخ في المسيرات، ولا التي ترفع الشعارات الحماسية ولا التي تهتف في الميادين. صارت هذه مجرد خلفية صوتية مألوفة، مثل أغنية قديمة تعود كلما احتاجوا إلى إثبات أن “الحرية موجودة”. الإزعاج الحقيقي اليوم يأتي من صوت الجوع، من صوت من يقول: “ما لقيتش باش ناكل”، من سؤال بسيط مثل: “علاش مقطوع علينا الماء؟” أو “فين نمشي نخدم؟”. هذا النوع من الصوت هو ما يُقلق، لأنه لا يُمكن إخراسه بالشعارات، ولا يُمكن لفّه في ورق بيانات رسمية.
في هذا البلد، صارت المطالب الأساسية تُعامل كجرائم، والمواطن الذي يطالب بحقه يُوصف أحيانًا بالفتنة، وكأنّ طلب الشغل صار مسًّا بمقدسات الدولة. الجائع لم يعد يُنظر إليه كضحية، بل كقنبلة موقوتة يجب تفكيكها، ليس بإطعامه، بل بمراقبته، ترويضه، أو رميه بعيدًا في هوامش الصمت. الصوت الذي يقول “لا أستطيع أن أُطعم أطفالي” لم يعد يُعامل كنداء إنساني، بل كمؤامرة محتملة ضد استقرارٍ هشّ لا يتحمّل الحقيقة.
هؤلاء الذين يعيشون في قرى بدون ماء، ويقطعون الكيلومترات بحثًا عن شربة أو مستوصف أو مدرسة، حين يفتحون أفواههم، لا يجدون من يسمعهم، بل من يتهمهم: أنتم ضد التنمية، ضد الأمن، ضد النظام، ضد الاستثمار. وكأن الحياة الكريمة مشروع تخريبي، وكأن السؤال عن الحد الأدنى من العيش ترف سياسي لا يليق بفقراء البلاد.
المواطن الذي يخرج ليحتج، لا من أجل قضية كبرى، بل من أجل “فاتورة خيالية”، أو “دواء غير موجود”، أو “أجرة لم تُصرف”، يُقابل غالبًا بحواجز أمنية، وبلاغات تَصِف الوقفة بالعشوائية، والمطالب بـ”اللامعقولة”. لا أحد يناقش أصل المشكلة، الجميع يركّز على شكل الاحتجاج، توقيته، عدد المشاركين، هل كانت الرخصة موجودة، هل تم احترام قانون الطوارئ… بينما يبقى الجوع نفسه خارج جدول النقاش، لأنه ببساطة لا يدخل في البروتوكول.
صوت الجوع، حين يرتفع، يُربك الساسة، لأنه لا يتحدث بلغة “البرامج”، بل بلغة البطون الفارغة. لا ينتظر الانتخابات، ولا يقرأ الجرائد الرسمية وما أكثرها، ولا يُقنعه تعديل طفيف في قانون أو تغيير اسم وزير. صوت الجوع لا يريد خطابات، بل يريد رغيف خبز، قنينة غاز، ماء لا يُقطع، وكهرباء لا تنفجر فاتورته كأنها قنبلة.
وهنا تكمن المأساة: أن تهمة الفوضى قد تُلصق بك فقط لأنك طالبت بحاجات كان من المفروض أن تُمنح لك دون منّ ولا تأجيل. أن تُصنَّف “محرضًا” لأنك سألت عن حقك. أن تتحوّل شكواك من انقطاع الماء إلى ملف أمني. أن تصبح عبارة “بغيت نخدم” مرادفة للتهديد العام.
في بلدان كثيرة، تُصنف أصوات الجائعين ضمن فئة الأولويات. أما عندنا، فقد تُصنفهم أجهزة ما ضمن فئة “الخطر الكامن”. فأن تصرخ من الجوع في حضرة من لا يجوع، يُعد إساءة. وأن ترفع صوتك في الزنقة، ولو بلا لافتة، ولو بدون تنظيم، يُعد إخلالًا بالنظام العام. النظام الذي لا يحتمل أن يقال له إن بطون الناس لا تُملأ بالبلاغات.
الأصوات المزعجة فعلاً لم تعد تلك التي تنتمي إلى الأحزاب أو التي تُحب الظهور الإعلامي. بل صارت تنتمي إلى البسطاء، إلى من لا يعرف كيف يُزيّن مطالبه، إلى من لا يعرف لغة الأرقام بل لغة المعاناة اليومية. هؤلاء هم مزعجو هذا العصر، لأنهم لا يكذبون، ولا يتجمّلون، ولا يبيعون الوهم… فقط يصرخون لأن الجوع حين يتحدث، لا يُجيد التفاوض.




