صومعة مسجد الرضوان بالمحمدية طاحت… والديستي على بُعد خطوتين

ضربة قلم
لم يكن سقوط صومعة مسجد الرضوان بالمحمدية، حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه، في خانة “الحوادث الطبيعية” فقط، رغم أن الرواية الرسمية،تقول إن الرياح العاصفية،، كانت السبب المباشر. فالصومعة، بما تحمله من رمزية دينية وعمرانية وتاريخية، حين تسقط، لا تسقط وحدها، بل تُسقط معها أسئلة كثيرة، بعضها ثقيل، وبعضها محرج، وبعضها لا يجد من يجرؤ على طرحه بصوت عالٍ.
مسجد الرضوان، الذي شُيّد قبل سنوات طويلة، ظل جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، شاهدا صامتًا على تحولات المحمدية، عمرانها، وساكنتها، وذاكرتها. صومعته، لم تكن فقط معلمة إسمنتية تعلو المكان، بل كانت رمزًا للاستقرار، للاستمرارية، ولما تبقى من طمأنينة، في مدينة تعرف ضغط الإسمنت، وتوسع المشاريع، وتراكم المفارقات.
وحين انهارت الصومعة، سارعت السلطة المحلية إلى تسييج المكان، إجراء احترازي مفهوم في الظاهر، لكنه في العمق يعكس ذهنية إدارة النتائج بدل مساءلة الأسباب. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف سقطت الصومعة؟ بل: لماذا سقطت؟ ومن المسؤول عن مراقبة سلامة بنايات، يفترض أنها موجهة للعبادة، وتستقبل يوميًا عشرات، بل مئات المواطنين؟
ومن باب الصدفة، أو هكذا يُقال، أن مسجد الرضوان، أقدم بكثير من المقر الضخم للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (الديستي) بالمحمدية، الذي لا يبعد سوى خطوات معدودة عن مكان الحادث. مقر حديث، محصّن، مشيّد وفق أعلى معايير السلامة والهندسة، يرمز إلى دولة قوية في مجالها، دقيقة في تفاصيلها، لا تترك شيئًا للصدفة، عندما يتعلق الأمر بالأمن.
هنا، تبدأ المفارقة في فرض نفسها بقوة: صومعة تسقط، ومقر أمني شامخ لا يهتز. ليس المقصود المقارنة بين الدين والأمن، ولا تحميل الواقعة، أكثر مما تحتمل، ولكن المشهد وحده كافٍ لإثارة التأمل. كيف تُدار الأولويات؟ وأي بنايات تخضع للمراقبة الصارمة، وأيها تُترك لعوامل الزمن والريح والإهمال؟
المثل المغربي يقول: “طاحت الصومعة، علّقو الحجام”. مثل ساخر، لكنه عميق، يلخص عقلية مجتمعية، اعتادت البحث عن كبش فداء، بدل الغوص في بنية الخلل. لا نعرف، في هذه الواقعة، من سيكون “الحجام”: هل هو الإمام؟ أم لجنة التسيير؟ أم المقاول الذي أشرف على أشغال قديمة؟ أم الرياح التي ستُدان وحدها، لأنها لا تدافع عن نفسها؟
الخطير في الأمر، ليس فقط سقوط صومعة، بل الاعتياد على السقوط دون محاسبة. فلو كانت الصومعة، قد انهارت في وقت صلاة، لكان الحديث اليوم مختلفًا تمامًا، ولكنا أمام فاجعة، لا تُقاس بالخسائر المادية فقط. ومع ذلك، سيُطوى الملف غالبًا بتقرير تقني، وعبارة “قضاء وقدر”، وسياج حديدي يُرفع بعد حين، وكأن شيئًا لم يكن.
في العمق، ما وقع يعيد طرح سؤال أكبر: هل تُعامل دور العبادة بنفس الجدية التي تُعامل بها المرافق السيادية؟ هل تخضع للمراقبة الدورية؟ أم تُترك لمنطق “راها واقفة” إلى أن تسقط؟ وهل سلامة المواطن في المسجد، أقل أولوية من سلامته في أي مرفق آخر؟
سقوط صومعة مسجد الرضوان، ليس حادثًا معزولًا، بل مرآة صغيرة ،لخلل أكبر في ترتيب الأولويات، وفي ثقافة الوقاية، وفي الجرأة على ربط المسؤولية بالمحاسبة. أما قرب مقر الديستي من المكان، فليس سوى تفصيل مكاني، لكنه تفصيل كافٍ ليجعل الصورة أكثر كثافة، وأكثر استفزازًا للأسئلة.
في النهاية، تبقى الصومعة ساقطة، ويبقى السؤال معلقًا: من عُلّق هذه المرة؟ الحجام؟ أم الصمت؟ أم الحقيقة نفسها؟




