مجتمع

طاطا تحترق… والدولة تكتفي ببلاغات الإطفاء!

ضربة قلم

يبدو أن سكان إقليم طاطا، ، يجدون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة قدر لا يرحم، وكأن الطبيعة ومعها بعض فصول الإهمال الإنساني قد تواطأتا لكتابة سيناريو يتكرر باستمرار، دون أن يلقى الاهتمام المستحق من قبل الجهات المعنية. الحريق الذي اندلع مؤخرًا بواحة “أفرا” ليس حدثًا معزولًا أو مفاجئًا بالنسبة لأبناء المنطقة، بل هو فصل آخر من معاناة طويلة، تبدأ من هشاشة البنية البيئية ولا تنتهي عند حدود التجاهل المؤسساتي.

في ظرف وجيز، أتى الحريق على 3.4 هكتارات من الواحة، مخلفًا وراءه رمادًا وقلقًا وأحلامًا محترقة. حوالي 500 نخلة سقطت ضحية هذا الحريق، أشجار كانت تمثل مصدر رزق لكثير من الأسر، وركيزة من ركائز الحياة الواحية التي تقوم على الصبر والتكافل واستدامة الماء والزرع. لكن النيران لا تعترف بهذا التاريخ، ولا تسأل عن معاناة السكان، وهي تلتهم الأخضر واليابس.

السلطات، بطبيعة الحال، تدخلت لإخماد الحريق، وسُجل حضور لمصالح الوقاية المدنية والسلطات المحلية التي عبّأت ما توفر من صهاريج وآليات وتجهيزات لإخماد النيران. نعم، تمت السيطرة على الحريق، لكن السؤال الأكبر: لماذا لا تُمنع هذه الكوارث قبل وقوعها؟ ولماذا لا تُعدّ طاطا بخطط وقائية حقيقية، بدل الاكتفاء بردّات الفعل بعد أن يكون الأوان قد فات؟

واحات طاطا، مثل “أفرا”، ليست مجرد فضاءات فلاحية، بل هي خزانات ثقافية وبيئية وتاريخية. النخيل ليس شجرة عادية في هذه الربوع، بل هو جزء من كينونة الإنسان المحلي، شاهدة على أفراحه وأحزانه، ومصدر لاقتصاد متواضع لكنه شريف. حين تحترق نخلة، فإنها لا تترك وراءها فراغًا ماديا فحسب، بل جرحًا في الروح الجماعية للساكنة، وخسارة يصعب ترميمها.

لكن، للأسف، يبدو أن الدولة لا تنظر إلى هذه المناطق بالعين ذاتها التي تنظر بها إلى مراكز النفوذ الاقتصادي. لا توجد برامج استباقية جادة لحماية الواحات من مخاطر الحرائق، رغم أن درجات الحرارة في طاطا ومحيطها تصل إلى مستويات قياسية، وتضاعف من احتمالات الاشتعال. لا يوجد دعم حقيقي لتجديد الفرشة النباتية أو تعزيز منظومات الري الذكي أو تأهيل البنية التحية لمواجهة التغير المناخي. ما يوجد في الغالب هو بيانات رسمية بعد كل كارثة، تكرر نفس العبارات وتنسخ نفس التعازي، وكأن الأمر لا يتطلب أكثر من تصريح صحفي وبعض الصور من عين المكان.

طاطا، بهذا المعنى، لا تحترق فقط بالنار، بل بالإقصاء الممنهج من التنمية، بالتفاوت الصارخ في توزيع المشاريع، وبالهشاشة التي تحاصر الساكنة في حياتها اليومية. فحتى حين لا تشتعل الحرائق، يعيش السكان على صفيح ساخن من الفقر، وشح المياه، وغياب البنيات الصحية والتعليمية الكافية. يبدو أن الكوارث، سواء كانت طبيعية أو من صنع البشر، وجدت لها موطئ قدم دائم في هذا الإقليم، بينما لم تجد الدولة بعدُ الإرادة السياسية اللازمة لجعل طاطا في صلب أولوياتها.

وفي انتظار أن تُؤخذ هذه المؤشرات المقلقة بعين الاعتبار، سيظل أبناء طاطا يرمقون السماء كل صيف بخشية، ويترقبون الكوارث كما يترقب غيرهم مواسم الخير، وستظل واحات مثل “أفرا” تحترق مرة تلو الأخرى، بينما يستمر الحديث عن “النجاح في السيطرة على الحريق”، دون أن نرى من يسيطر فعلًا على أسباب الحريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.