الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

طبيبة تبكي وآخر يتاجر: الطب المغربي بين دمعة الرحمة ودواء الجشع

ضربة قلم

مشهد السيدة التي بلغت قرنًا من الزمن كفيل بأن يوقف الزمن نفسه. عاشت في عهد ثلاثة ملوك، وشهدت تحولات المغرب من الاستعمار إلى الاستقلال، من الفقر المدقع إلى طموحات التنمية. وبين كل هذه المحطات، بقي جسدها الهش شاهدًا على الزمن، ومخزونًا لذاكرة وطن. حين تزورها الطبيبة الشابة، وتدرف الدموع بدل أن تردد خطابًا طبيًا جافًا، فإنها تؤكد أن الرحمة ليست نقيضًا للعلم، بل امتداد له. دموعها تقول الكثير: عن عجزها أمام الطب، عن احترامها لشيخوخة الإنسان، وربما عن سخطها من نظام يترك من بلغوا المئة ينتظرون الموت في صمت… لا كرامة في غرفة طوارئ، ولا حنان في سرير منعزل.

الطبيب التاجر… حين تتحول الوصفة إلى فاتورة مغشوشة

في المقابل، ننتقل إلى المشهد الآخر: طبيب في مدينة صغيرة، حيث الكل يعرف الكل، لم يكتف بمداخيل العيادة، ولا بأرباح المصحة التي يملك فيها حصة معتبرة، بل قرر أن يُضاعف أرباحه من خلال الترويج لدواء بعينه، ليس لأنه الأنسب، بل لأنه ببساطة يملكه أو له فيه مصلحة. هكذا، تصبح وصفته الطبية أشبه بفاتورة تجارية، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع اختيارات العلاج، وتختلط أخلاقيات المهنة برائحة الجشع.

هذا الطبيب، الذي يفترض أنه أقسم قسم أبقراط حين نال شهادته، لم يعد يعنيه القسم، بل تحوّل إلى رجل مبيعات يتاجر في المآسي، ضاربًا عرض الحائط بكل ما تمثله مهنة الطب من شرف ومكانة.

أزمة أخلاق أم أزمة نظام؟

ما بين الطبيبة الباكية والطبيب التاجر، تنطرح الأسئلة الكبرى: هل نحن أمام حالات فردية معزولة؟ أم أمام انعكاس لخلل بنيوي في النظام الصحي؟

  • التكوين الطبي أصبح في بعض مؤسساته مجرد عبور نحو المال، لا نحو رسالة.
  • الرقابة على العيادات والمصحات والصيدليات تبدو شكلية أو غير كافية.
  • العقوبات على من يثبت تلاعبه بأدوية أو تواطؤه مع مختبرات تبقى نادرة أو غير رادعة.
  • التأطير الأخلاقي غائب أو هشّ، في غياب هيئات فعّالة تراقب وتمارس سلطة التأديب.

من يدفع الثمن؟

الضحايا كُثر:

  • مريضٌ فقير يضطر لشراء دواء غالٍ لا حاجة له به.
  • أسرةٌ مفجوعة تنفق مدخراتها على علاج غير نزيه.
  • مواطنٌ فاقد للثقة في الطبيب والمستشفى والدولة.

والأخطر من ذلك هو أن الطبيب الشريف —وما أكثرهم— يُلطخ اسمه بما اقترفه زملاء لا يمتون للمهنة بصلة، فيختلط الغث بالسمين، ويضيع احترام المجتمع للمهنة بأكملها.

من يعيد للطب كرامته؟

لا يكفي أن نندب الحظ أو نلعن الفساد. لا بد من خطوات عملية:

  • إصلاح جريء للتكوين الطبي، يُعيد الأخلاق إلى قلب المنهج.
  • تقوية أجهزة التفتيش والمحاسبة، مع ضمان الاستقلالية.
  • إشهار العقوبات التأديبية ضد المتورطين في تجاوزات طبية أو تجارية.
  • حماية الأطباء النزهاء، وتشجيع ثقافة التبليغ عن الممارسات المشبوهة.

الخلاصة

في بلد يحتاج فيه كل فرد إلى طبيب نزيه، وأم حنون، وأب مطمئن على مستقبل أبنائه، لا يمكن السكوت عن طبيب يبيع الدواء كما يبيع خبازٌ رغيفه. مهنة الطب هي أقدس المهن، لكن حين تتلوث بالمال دون ضمير، تصبح أبشع صور الاستغلال. وبين دمعة الطبيبة التي لم تستطع إنقاذ حياة سيدة عجوز، وجشع الطبيب الذي يبيع الوهم بفاتورة، نجد أنفسنا مجددًا أمام سؤال جوهري: هل نملك الجرأة لإعادة الاعتبار للضمير… قبل أن نُجدد خطابنا حول إصلاح الصحة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.