طفل في لفافة… وجريمة صامتة في قلب سطات

ضربة قلم
لم يعد بكاء الأطفال الرضّع دائمًا علامة حياة تُفرح الأهل والجيران، بل صار في حالات كثيرة صرخة استغاثة يطلقها جسد هش في وجه مجتمع فقد جزءًا من إنسانيته. آخر هذه الصرخات صدحت، صباح الجمعة، قرب المركز الاستشفائي الحسن الثاني بمدينة سطات، حيث عُثر على رضيع حديث الولادة متخلى عنه في زاوية خلفية لكشك مجاور للمستشفى.
الواقعة.. مشهد مؤلم يتكرر
بحسب شهود عيان، كان أحد المواطنين ينتظر دوره للاستفادة من خدمات المستشفى، قبل أن ينتبه إلى بكاء خافت قادم من الخلف، ليكتشف ما لم يكن في الحسبان: رضيع ملفوف في غطاء بسيط، موضوع بإهمال قرب مكب صغير للنفايات. جرى إشعار الجهات المعنية، لتستنفر على إثره الشرطة المحلية وعناصر السلطة وأفراد الوقاية المدنية والفرقة التقنية والعلمية، التي باشرت مسحًا دقيقًا لمكان العثور على الرضيع، في انتظار نتائج التحقيق الذي أمرت به النيابة العامة المختصة.
وقد جرى نقل الرضيع مباشرة إلى قسم طب الأطفال، حيث أكدت الفحوصات الطبية أنه في وضع صحي سليم، وسط متابعة مؤقتة من الطاقم الطبي. مشهد ينتهي هنا في الظاهر، لكنه لا يُغلق سوى صفحة صغيرة من كتاب مؤلم ومتعدد الصفحات.
ظاهرة في تصاعد.. ومجتمع يشيح بوجهه
لم تعد هذه الحوادث معزولة. كل شهر تقريبًا، تتناقل وسائل الإعلام الوطنية أخبارًا مشابهة: رضيع في صندوق قمامة، طفلة ملفوفة في قماش مهترئ أمام باب مسجد، مولود داخل مرحاض عمومي… مما يحيلنا إلى واقع اجتماعي مختل، يتعايش مع الظاهرة كما لو أنها مجرد تفصيل هامشي في نشرة أخبار المساء.
يرى مختصون اجتماعيون أن هذه الظاهرة ليست مجرد سلوك فردي ناتج عن تهور أو عار اجتماعي، بل نتيجة بنية مجتمعية متراخية، يتشابك فيها الفقر، والوصم الاجتماعي للأمهات العازبات، وغياب التربية الجنسية، وتهالك مؤسسات الرعاية، وتخاذل السياسات العمومية.
أين الدولة؟ أين المجتمع؟
صحيح أن هناك محاولات متناثرة لجمعيات تحاول احتضان هؤلاء الأطفال أو دعم الأمهات العازبات، لكن تبقى تلك الجهود مجهرية أمام حجم المأساة. الدولة، من جهتها، تفضل في كثير من الأحيان لغة الزجر والقانون بدل التفكير في آليات وقائية فعالة، مثل تعزيز الوعي الجنسي، ودعم الصحة الإنجابية، وفتح باب التبني القانوني الحقيقي، وتوفير فضاءات حماية للأمهات المهددات بالتخلي عن أطفالهن تحت ضغط الخوف والعوز.
أما المجتمع، فقد أدار ظهره نهائيًا. وبدل أن يحتضن هؤلاء الأطفال، يواصل معاقبتهم منذ لحظة الولادة، بخطاب مزدوج مليء بالنفاق، يعلي من شأن الأخلاق في العلن ويقسو على الضحايا في السر.
صرخة في وجه الغياب
قصة رضيع سطات ليست استثناء، بل تذكير صارخ بأن خلف كل مولود متخلى عنه، مأساة إنسانية عميقة، تتورط فيها سياسات الدولة، وأحكام المجتمع، وصمت الضمير الجمعي. فإلى متى سنستمر في التعامل مع هذه الظاهرة كخبر عابر؟ وهل سننتظر الرضيع القادم، حتى نكتشف من جديد أن هناك أطفالا يولدون في هذا البلد فقط ليُنسَوا؟




