الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائيةمجتمع

طفل يُسقى الكحول من أجل “البوز”… حين تتحول الطفولة إلى ضحية للضحك السام

ضربة قلم

في زمنٍ أصبحت فيه بعض “التحديات” على مواقع التواصل أخطر من الجريمة نفسها، خرج شريط فيديو صادم، ليعيد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر قسوة: من يحمي الطفولة، حين يتحول الكبار أنفسهم إلى مصدر للخطر؟

طفل لم يتجاوز الثانية عشرة، وجد نفسه وسط مشهد عبثي، يُدفع فيه دفعًا نحو تجرع الكحول وسط ضحكات وتعليقات توحي وكأن الأمر مجرد “مزاح ثقيل”، بينما الحقيقة أن الأمر أقرب إلى اعتداء نفسي وأخلاقي مكتمل الأركان.

الفيديو، الذي انتشر بسرعة البرق على المنصات الاجتماعية، لم يترك للرأي العام فرصة لالتقاط الأنفاس، خصوصًا وأن ملامح الطفل وسلوكه، أوحت بوضوح بأنه لا يدرك حجم ما يُرتكب في حقه. وفي المقابل، ظهر المحيطون به، وكأنهم يحتفلون بسقوط البراءة بدل حمايتها، في صورة تختزل جانبًا مؤلمًا من الانحدار القيمي الذي بات يجد في الهواتف الذكية مسرحًا مفتوحًا للعبث.

وسط هذا الغضب الرقمي، اختار المحامي بهيئة الدار البيضاء، عبد الرحمان الباقوري، أن ينقل القضية من فضاء “الترند” إلى المؤسسات الرسمية، بعدما وضع شكاية مباشرة أمام كل من رئاسة النيابة العامة، والقيادة العليا للدرك الملكي، والمديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، مطالبًا بفتح تحقيق عاجل للوصول إلى كل من تورط في هذه الواقعة.

الباقوري لم يتعامل مع الحادث باعتباره “فيديو صادما” فقط، بل اعتبره ملفًا جنائيًا متكامل الأركان، لأن الأمر يتعلق، وفق ما تضمنته الشكاية، بسوء معاملة طفل قاصر، وتعريضه لسلوكات منحرفة، وتقديم نموذج خطير في السكر العلني وسوء السلوك، إضافة إلى التقصير الواضح في حمايته، داخل بيئة غير آمنة صحيًا وأخلاقيًا ونفسيًا.

والأخطر من كل ذلك، أن بعض هذه المشاهد، لم تعد تُرتكب في الخفاء كما كان يحدث سابقًا، بل أصبح أصحابها يوثقونها بأنفسهم وينشرونها بفخر، وكأن مواقع التواصل منحت البعض “رخصة مجانية” للعبث، فأصبح كثيرون يتصرفون أمام الكاميرا بثقة من يعتقد أن عدد المشاهدات قادر على غسل أي خطيئة، وأن الضحكات الرقمية قد تُخرس صوت القانون والأخلاق معًا. فهناك من صار مستعدًا لفعل أي شيء من أجل دقائق من “البوز”، حتى لو تعلق الأمر، بإهانة طفل أو تدمير توازنه النفسي أمام آلاف المتابعين.

القضية أعادت أيضًا النقاش حول المسؤولية الأسرية، ليس فقط في ما يتعلق بالمراقبة، بل في سؤال أكثر إيلامًا: كيف يجد طفل نفسه أصلًا داخل جلسة يُستهلك فيها الكحول بهذه الطريقة؟ وأين اختفت سلطة الكبار الذين يُفترض أنهم حائط الحماية الأول؟ لأن المأساة الحقيقية، لا تكمن فقط في من قدم الكأس للطفل، بل في كل من شاهد، وضحك، وصور، ثم نشر.

وفي بلد يرفع شعارات حماية الطفولة، تبدو مثل هذه الوقائع، كصفعة أخلاقية حقيقية، خاصة وأن القوانين المغربية تتضمن مقتضيات واضحة تجرم تعريض القاصرين للخطر أو الإخلال بواجب الرعاية والحماية. غير أن الرهان الأكبر يبقى في التطبيق الصارم، حتى لا تتحول مثل هذه الجرائم إلى مجرد “ضجة إلكترونية” تنطفئ بعد أيام، ويعود بعدها الجميع إلى البحث عن فضيحة جديدة.

ولعل المؤلم في زمننا هذا، أن بعض الأطفال لم يعودوا يخافون من العقاب بقدر ما أصبحوا يخافون من الكاميرا… لأنها قادرة على تحويل لحظة سقوطهم إلى فرجة جماعية لا ترحم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.