طنجة… حين تتحول بعض الرحلات إلى دبي إلى خيوط في ملفات “المافيا البيضاء”

ضربة قلم
في قاعات العدالة، لا تكون كل الملفات مجرد أوراق ومحاضر وتصريحات متناقضة. هناك قضايا تدخل المحكمة وهي تحمل معها رائحة المطارات، وأسماء مستعارة، ومكالمات غامضة، وسيارات محترقة، وأشباح عصابات دولية، لا تؤمن إلا بمنطق القوة والمال والخوف. وهذا بالضبط ما حدث داخل غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، حيث فُتح ملف ثقيل يرتبط باسم ظل لسنوات يثير الرعب في أوروبا: رضوان التاغي.
القضية هذه المرة لم تكن مجرد متابعة عادية لشخص متهم في ملف جنحي بسيط، بل امتدت خيوطها من المغرب إلى هولندا، مروراً بمدينة دبي التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى محطة مثيرة للجدل في عدد من ملفات الجريمة المنظمة الدولية. السلطات الهولندية، عبر إنابة قضائية، طلبت من نظيرتها المغربية تعقب شخص يُدعى “يوسف”، للاشتباه في ارتباطه بما يُعرف إعلامياً بـ”موكرو مافيا”، وهي شبكة إجرامية خطيرة ارتبط اسمها بتهريب الكوكايين، والاغتيالات، وتصفيات الحسابات التي هزت شوارع أوروبا.
من طنجة إلى أمستردام… ثم إلى عالم الظلال
المتهم، الذي وقف أمام هيئة المحكمة نافياً كل التهم، وجد نفسه في مواجهة أسئلة ثقيلة لا تشبه الأسئلة التقليدية في القضايا العادية. القاضي واجهه بسفريات إلى دبي، وبلقاءات مع رضوان التاغي الذي قال إنه كان يعرفه باسم “فؤاد”، إضافة إلى معطيات مرتبطة بأسلحة نارية محجوزة داخل منزل بهولندا، واتصالات هاتفية، وسيارة “مازيراتي” انتهت محترقة في ظروف غامضة.
المشهد داخل الجلسة بدا أقرب إلى حبكة فيلم جريمة دولي:
أسماء مستعارة، تنقلات خارجية، مراقبة أمنية، نشرة حمراء، وتقارير تتحدث عن “مخبر” يتتبع تحركات شخص كان مستهدفاً بالتصفية الجسدية.
لكن المتهم ظل متمسكاً بالإنكار الكامل، وكأن كل هذه التفاصيل لا تعنيه. حتى عندما تمت مواجهته بتصريحات سابقة أدلى بها أمام قاضي التحقيق، أقر خلالها بلقاء التاغي ثلاث مرات في دبي، عاد ليضع مسافة بينه وبين عالم “المافيا” الذي تلاحقه ظلاله.
“موكرو مافيا”… الاسم الذي أرعب أوروبا
في أوروبا، لا يُذكر اسم “موكرو مافيا” إلا وتتبادر إلى الأذهان صور سيارات مفخخة، واغتيالات في الشوارع، وحسابات دموية مفتوحة بين شبكات المخدرات. التنظيم، الذي تشير تقارير أمنية إلى أنه يضم عناصر من أصول مغاربية، خصوصاً من المغرب وهولندا، أصبح خلال السنوات الأخيرة واحداً من أخطر شبكات تهريب الكوكايين في القارة الأوروبية.
لم تعد تجارة المخدرات القوية مجرد نشاط سري محدود في الأزقة الخلفية، بل تحولت إلى اقتصاد موازٍ ضخم، تشتغل داخله شبكات تمتلك المال، والسلاح، والتكنولوجيا، وحتى القدرة على اختراق الحدود بسهولة مرعبة. ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول بعض المدن الأوروبية إلى ساحات حرب صامتة بين عصابات تتنافس على “موانئ السم الأبيض”.
أما رضوان التاغي، فقد صار بالنسبة للسلطات الهولندية رمزاً لمرحلة دموية غير مسبوقة في تاريخ الجريمة المنظمة بهولندا. الرجل متابع في ملفات ثقيلة تتعلق بالقتل وتزعم منظمة إجرامية والاتجار الدولي بالمخدرات، فيما تتحدث تقارير أوروبية عن علاقات وتشابكات مع عصابات أخرى تحمل أسماء مخيفة، من بينها ما يُعرف بـ”ملائكة الموت”.
حين تصبح الهواتف أخطر من المسدسات
اللافت في هذا النوع من الملفات أن الجريمة لم تعد تعتمد فقط على السلاح. اليوم، قد تتحول مكالمة قصيرة أو موقع هاتف أو صورة داخل مطار إلى قطعة أساسية في ملف قضائي دولي. عالم “المافيا الجديدة” لم يعد يشبه الصورة القديمة للرجل الذي يحمل بندقية ويتجول في الأزقة المظلمة. الآن هناك هواتف مشفرة، وتتبع إلكتروني، واجتماعات فاخرة في الفنادق، وتحويلات مالية تمر عبر قارات بأكملها.
ولهذا ركزت المحكمة بشكل كبير على الاتصالات والتحركات والعلاقات المحتملة، أكثر مما ركزت على مشاهد عنف مباشرة. فالأدوار داخل الشبكات الإجرامية الحديثة أصبحت موزعة بعناية: شخص يراقب، وآخر ينقل المعلومات، وثالث يتكلف بالتمويل، ورابع ينفذ، بينما يبقى “الرأس الكبير” بعيداً عن الواجهة.
طنجة… المدينة التي تعبر منها الحكايات الثقيلة
مدينة طنجة ليست مجرد فضاء جغرافي في هذه القضية. موقعها الاستراتيجي جعلها منذ سنوات نقطة عبور كبرى بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يمنحها أهمية اقتصادية هائلة، لكنه في المقابل يجعلها أيضاً تحت أعين شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود.
ومن هنا تأتي حساسية هذا النوع من الملفات، لأن الأمر لا يتعلق فقط بشخص متهم، بل بصورة بلد يحاول باستمرار تشديد قبضته على شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والجريمة المنظمة.
بين الحقيقة والإنكار… المحكمة وحدها تحسم
في النهاية، يبقى المتهم بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. وبين رواية الاتهام وإنكار المتهم، تستمر جلسات المحاكمة في محاولة تفكيك خيوط قصة تبدو أكبر بكثير من مجرد ملف جنائي عادي.
قصة تختلط فيها دبي بأمستردام وطنجة…
ويصبح فيها السفر العادي موضع شبهة، والهاتف مشروع دليل، والصداقة المحتملة باباً نحو أخطر الأسئلة.
وفي عالم “المافيا الحديثة”، قد لا يكون أخطر شيء هو الرصاص…
بل التفاصيل الصغيرة التي تتركها خلفك دون أن تنتبه.




