
ضربة قلم
لم تعد قاعات المحاكم في طنجة مجرد فضاء للفصل في النزاعات، بل أضحت في بعض اللحظات، امتدادًا حيًا لما يجري على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الأدوار بين المتقاضين و”صناع المحتوى”، وتُستبدل لغة القانون أحيانًا بلغة “اللايف” و”التراند”. آخر فصول هذا المشهد الملتبس، ما شهده محيط إحدى جلسات المحاكمة المرتبطة، باليوتيوبر المثير للجدل “مولينيكس”، يوم الثلاثاء 24 مارس، من تطورات أعادت طرح أكثر من علامة استفهام.
مواجهة خارج النص… وداخل أجواء مشحونة
قبل انطلاق الجلسة، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول لحظات الانتظار، إلى شرارة مواجهة مباشرة بين الدركي السابق والمؤثر الحالي الطاهر سعدون، وبين “حفصة”، التي توصف بأنها من الدائرة المقربة للمتهم الرئيسي. مناوشات لفظية سرعان ما تصاعدت حدتها، وسط حضور متابعين وفضوليين، في مشهد بدا أقرب إلى “عرض جانبي” خارج النص القضائي.
تدخلت عناصر الأمن بسرعة لاحتواء الوضع، حيث جرى اقتياد الطرفين إلى مقر الشرطة، ليس باعتبارهما موقوفين، بل من أجل الاستماع إلى أقوالهما، وتحرير محضر رسمي، يوثق تفاصيل ما جرى، في إطار الإجراءات القانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات.
غياب يثير الجدل… وتوضيحات دفاعية
المثير في هذه الواقعة أن الطاهر سعدون، الذي حضر أساسًا بصفته مطالبًا بالحق المدني، غاب عن أطوار الجلسة رغم تواجده بعين المكان. دفاعه سارع إلى توضيح الأمر، مؤكدًا أن موكله، لم يكن موضوع توقيف، بل اختار التوجه إلى الشرطة لتقديم شكاية ضد حفصة، متهمًا إياها بنشر معطيات “غير دقيقة” والإساءة إليه عبر منصات التواصل.
غير أن هذا التبرير، لم ينجح في إخماد الجدل، خاصة في ظل حساسية الملف وتشعبه، وتداخل العلاقات الشخصية بالمواقف العلنية.
مؤثرون أم “فاعلون فوق العادة”؟
بعيدًا عن تفاصيل الشجار، يطرح هذا الملف إشكالًا أعمق، يتعلق بحدود دور بعض المؤثرين، خاصة أولئك الذين يأتون من خلفيات مهنية مرتبطة بالأمن أو المؤسسات. فقد أثارت تصريحات سابقة للطاهر سعدون، موجة انتقادات واسعة، بعدما تحدث بشكل يوحي بامتلاكه تأثيرًا مباشرًا على مسار بعض القضايا، بل وذهب إلى حد الإشارة إلى “دور” له في توقيف خصومه.
مثل هذه التصريحات، بحسب متابعين، تضع صاحبها في منطقة رمادية، بين حرية التعبير وتجاوز الاختصاصات، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمؤسسات يفترض فيها الحياد والانضباط الصارم للمساطر القانونية.
طنجة… مرآة لظاهرة أوسع
ما جرى ليس معزولًا عن سياق أوسع، تعيشه الساحة الرقمية في المغرب، حيث أصبح “الصراع” مادة استهلاكية، ووسيلة سريعة، لجذب الانتباه ورفع نسب المشاهدة. قضايا تُفترض فيها الجدية، تتحول في بعض الأحيان، إلى حلقات متتالية من التراشق العلني، تتغذى على الإثارة، أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
وفي ظل هذا الواقع، يجد الرأي العام نفسه، أمام سؤال بسيط في ظاهره، معقد في عمقه:
هل نحن أمام مؤثرين ينقلون الواقع… أم أمام واقع يُعاد تشكيله ليخدم منطق “البوز”؟
في انتظار ما ستقوله المحكمة
يبقى الفيصل في النهاية، هو ما ستقرره المحكمة بخصوص الملف الأصلي، بعيدًا عن الضجيج المحيط به. أما ما وقع خارج القاعة، فهو مجرد تذكير بأن الفضاء الرقمي، حين ينفلت من ضوابطه، قادر على التسلل ،حتى إلى أكثر الأماكن حساسية… وربما تحويلها إلى مسرح مفتوح لكل الاحتمالات.




