طينة براقة في الاختلاسات والسمسرة: كيف أصبح الابتزاز فناً سياسياً وجامعات صامتة شاهدة

ضربة قلم
لا نعرف حقاً كيف نتعامل مع طينة من هذا النوع، طينة لها تاريخ طويل، لكنها ليست من النوع الذي يُسجّل في ملفات الشرطة أو المحاكم، بل في سجلات “الأذكى في السمسرة”، حيث تبدو السوابق أشد وطأة من أي حكم قضائي، لأنها تتعلق بالاختلاسات الذكية، التلاعب بالأمانة بطريقة تجعل القانون يقف حائراً، والعقل البشري يرفع يديه في استسلام. نعم، سوابق لا تراها في قاعات المحاكم، لكنها واضحة لكل من له عين على الفساد، وكل من يجرؤ على متابعة التدخلات التي تتم بلا استئذان ولا موانع.
هذه الطينة، كما سنكتشف سريعاً، أصبحت بارعة في فن تمثيل المواطنين في مؤسسات تمثيلية، بعد رحلة طويلة في “الوساطة المشبوهة” التي على بالكم جميعاً. لقد تعلموا فن تقبيل الأيدي، ليس مجاملةً فقط، بل كطقس ضروري للوصول إلى كل مكتب وكل كرسي يُغلق وراءه باب القرار. وإذا أردت أن تدرك حقاً حجم الإبداع في هذا الفن، ففكر فيهم وهم ينسجون السيناريوهات المتعلقة بالابتزاز، ليس أي ابتزاز، بل ابتزاز “أولياء النعم”، أولئك الذين يظنون أن حسن النية وكرم اليدين كافٍ ليجعلهم آمنين، ولم يخطر ببالهم أبداً أن الكرم قد يتحول فجأة إلى فخّ مُحكم. هنا يتحول كل نفس أمّارة بالسوء، وكل عضو يدعي النضال وينتمي للنقابة، إلى أداة في لعبة معقدة من المنافع المالية، حيث تُستغل المناصب والنفوذ ووسائل التأثير لأقصى حد. لا يقف الأمر عند حدود الضغط النفسي، بل يتحول إلى عملية محكمة لإخضاع المستهدف، كأن كل ورقة وكل توقيع، يمكن أن يصبح عصاً في يد المبتزين، وكل مجاملة أو كلمة طيبة، قد تتحول إلى طُعم في شبكة هذا الفن القذر.
باختصار، فن الابتزاز عند هذه الطينة لا يحتاج إلى خيال؛ إنه مجرد ممارسة يومية، مدروسة، تتقن فيها كل حركة وكل تصرف لتصبح أداة من أدوات جمع المكاسب، بينما يظل الجمهور والمراقبون يظنون أن كل شيء مجرد روتين عادي.
أما النقابات؟ فهي مجرد أدوات، أدوات للاستفادة المادية، وليس إلا. لقد عبروا كل المراحل التي يحرمها الضمير على نفسه، وصلوا إلى “شط الأمان” حيث لا أحد يجرؤ على مساءلتهم، وكل القانون يبدو وكأنه مصمم ليقف متفرجاً أمام براعتهم.
ومن لم يصدق أن هذا ممكن؟ فكروا فيهم، هذه طينة جديدة تتنافس مع المبتزين الأوائل، وهم يختلطون في عالم السمسرة والتخلويض، في منظومة تتبع وزارة الداخلية، وكأن كل مكتب وكل مديرية، مفتوحة لهم لاستعراض مهاراتهم في التسلل الصامت. لم يكتفوا بذلك، بل وجدوا لأنفسهم مكاناً في التعليم العالي، وكأن جامعة ما كانت بحاجة ماسة إلى جرعة “حيلة” وخبرة في المناورات الخفية، بدل التركيز على العلم والمعرفة.
وبين ليلة وضحاها، أصبح بعضهم محللين، يكتبون تقارير ويظهرون في البرامج التلفزية، ويعطون آراء عن السياسة والاقتصاد، وكأن الماضي المموه في المياه العكرة لم يحدث، وكأن الأخطاء والأسرار التي جمعوها على مدار السنوات الماضية، لم تُدوّن في دفتر الزمن، وكأن كل خدعة وكل وساطة خفية، كانت مجرد تمرين نظري في فن الإدارة الذكي!
هذه الطينة الجديدة، مع كل ابتكارها في التسلل والاختراق، تبدو وكأنها تقول للعالم: “انظروا كيف نتقن فن أن نكون موجودين في كل مكان، دون أن يلمسنا القانون أو الضمير، ومع ذلك نكتب، نحلل، ونرشد!”
ولا أحد يعرف من أين جاءت هذه الصفة، هذه القدرة العجيبة على التحليل، على الغوص في التفاصيل، على إعطاء الأحكام، بينما كل خطوة في ماضيهم كانت تتعلق بخداع، ابتزاز، وتسلل. كل شيء يُحلل، كل شيء يُفسّر، إلا حياتهم الماضية، التي يحرصون على أن تبقى في الظل، مختفية عن الرقيب وعن القانون وعن كل عين فضولية.
وفي النهاية، ما تبقى هو هذه الطينة: عبقرية في الاختلاس، براعة في الابتزاز، مهارة في التمثيل، وموهبة في تحويل كل ما هو أخلاقي إلى مجرد أرقام وحسابات. طينة تعرف كيف تصنع نفسها، وتعيد اختراع نفسها، لتبقى دائماً أمام الجميع، مبتسمة، وكأن كل ما جرى، لم يكن سوى مشهد تمثيلي صغير، في مسرح الحياة السياسية والاجتماعية.





Turn your audience into earnings—become an affiliate partner today!