الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ظاهرة الوشم: بين الموضة العالمية والواقع المغربي الاجتماعي

ضربة قلم

في السنوات الأخيرة، أصبح الوشم على الأجسام ظاهرة متفشية في الخارج، خاصة بين صفوف الشباب. الوشم لم يعد مجرد رسم على الجلد، بل تحول إلى لغة بصرية تعبّر عن الانتماء، الفردية، والتميز، وأحيانًا إلى أداة للتباهي بالذوق الشخصي أو الانخراط في صيحات الموضة العالمية. تُرى المعارض الكبرى ووسائل التواصل الاجتماعي مليئة بصور الأجساد الموشومة، مما ساعد على تعزيز انتشار الظاهرة بين الأجيال الجديدة في القارات المختلفة، حيث أصبح الوشم رمزًا للتجدد والجرأة الشخصية.
أما في المغرب، فقد اكتسبت ظاهرة الوشم سياقًا مختلفًا تمامًا، يبتعد عن المفهوم الغربي للموضة والتعبير الشخصي. في الأوساط المحلية، لوحظ أن انتشار الوشم ارتبط في كثير من الأحيان بأصحاب السوابق العدلية، أي الأشخاص الذين قضوا فترات في السجن وعادوا إلى الحياة المدنية، محمّلين بتاريخهم وذكرياتهم. بالنسبة لهؤلاء، غالبًا ما يحمل الوشم رسائل خاصة، رموزًا شخصية، أو علامات تمثل مراحل من حياتهم، سواء كانت مرتبطة بالمجموعات التي ارتبطوا بها داخل السجن، أو بأحداث شكلت حياتهم قبل وبعد الاعتقال.
ولا ننسى فئة من مغاربة المهجر، الذين تبنوا هذه الظاهرة تأثرًا بالثقافة الغربية، محاولين مواكبة الموضة والاندماج في المجتمعات الجديدة، أو التعبير عن شخصياتهم بشكل مختلف عما يعرفونه في وطنهم. هؤلاء، برغم أنهم يعيشون في بيئة مختلفة، ساهموا في نقل هذه الصيحة إلى المغرب عبر الصور ومقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحيانًا من خلال زياراتهم القصيرة للوطن، ليتركوا أثرًا بصريًا جديدًا على الثقافة الشبابية المحلية.
ومن جهة أخرى، ظهرت فئة جديدة يمكن وصفها بـ”أشباه العايقيين”، وهي شريحة شبابية تتبنى الوشم دون خلفية تاريخية أو رمزية واضحة، ربما بدافع التقليد أو الرغبة في التميز الاجتماعي، أو للانتماء إلى صيحات معينة في الأحياء والمدارس والفضاءات الحضرية. هذه الفئة ترفع التساؤل حول القيمة المضافة لهذه الرسومات على الجلد: هل هي مجرد ترف بصري؟ أم أنها تعكس أزمة هوية، أو محاولة للتمرد على المعايير التقليدية؟
الشيء اللافت هو أننا نجهل وقع الوشم في المجتمع المغربي: هل يسهم في التغيير الاجتماعي، في التعبير عن الذات، أم أنه يظل مجرد شكل من أشكال التباهي والتمرد الشكلي؟ علاوة على ذلك، يطرح الوشم جدلية قانونية وأخلاقية، خاصة عندما يتقاطع مع عالم الشباب المتورطين في الإجرام، أو مع رموز الجماعات التي لها علاقة بالماضي العدلي لأصحابها.
في المقابل، يحمل الوشم للباحث الاجتماعي أو النفسي أهمية خاصة، فهو مرآة للتغيرات المجتمعية، والتقاطع بين التقاليد، الثقافة العالمية، والهوية الفردية. كما يفتح النقاش حول الحدود بين حرية التعبير الشخصية والرمزية الاجتماعية، ويطرح تساؤلات حول كيفية تعامل المجتمع المغربي مع مظاهر يبدو أنها غريبة دخلت من الخارج وارتبطت بطبقات معينة، بعيدًا عن طابعها المستورد.
ختامًا، ظاهرة الوشم في المغرب، سواء في أوساط أصحاب السوابق العدلية، أو مغاربة المهجر، أو الشباب العصري، لا يمكن حصرها في سياق واحد؛ فهي انعكاس لتقاطع بين التاريخ الشخصي، التقاليد المجتمعية، وتأثير الثقافة العالمية. ومع استمرار انتشارها، يظل السؤال قائمًا: كيف يمكن أن تتحول هذه الرسوم من مجرد علامات على الجلد إلى معانٍ غريبة عن المجتمع، بدلًا من أن تبقى مجرد موضة أو أداة للتباهي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.