الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ظاهرة تراجع مياه البحر بشاطئ “بون بلوندان” بالمنصورية: قراءة في علم البحر والتغيرات المناخية

ضربة قلم

منذ سبعينيات القرن الماضي، ظل شاطئ “بون بلوندان” أو ما يُعرف محلياً بـ“الفريمة”، الواقع بتراب جماعة المنصورية قرب المحمدية، يحتفظ بنفس ملامحه الطبيعية تقريباً. المدّ والجزر كانا يحدثان بشكل اعتيادي، دون أن يُسجَّل اختفاء غير مسبوق للمياه أمام المقهى المطلّ على هذا البحر الصغير، الذي أُغلق منذ سنوات. غير أن ما لوحظ في الآونة الأخيرة، يطرح تساؤلات حقيقية: تراجع واضح للمياه، وانكشاف مساحات، لم يكن يُرى مثلها من قبل، مع بقاء آثار الجزر بنفس الشكل تقريباً.

هذه الظاهرة تستدعي مقاربة علمية في إطار علم البحر (الأوقيانوغرافيا الساحلية)، الذي يدرس تفاعل البحر مع المناخ، والتيارات، والضغط الجوي، والتغيرات الطبوغرافية لقاع البحر.

ظاهرة تراجع مياه البحر بشاطئ “بون بلوندان” بالمنصورية: قراءة في علم البحر والتغيرات المناخية

1. المدّ والجزر: هل تغيّر سلوكه؟

المدّ والجزر ظاهرة فلكية في أصلها، مرتبطة بجاذبية القمر والشمس. لكن شدتهما وتأثيرهما على الساحل يختلفان حسب:

  • شكل الساحل (مقعر أو مفتوح)،

  • عمق المياه القريبة من الشاطئ،

  • وجود الصخور والحواجز الطبيعية.

ما لوحظ في “الفريمة” قد لا يكون تغيراً في القاعدة الفلكية للمدّ والجزر، بل تضخيماً محلياً للجزر بسبب عوامل مناخية وبحرية طارئة.

2. علاقة الظاهرة بالأحوال الجوية الأخيرة

الأسابيع الأخيرة عرفت:

  • تساقطات مطرية متتالية،

  • انخفاضاً في درجات الحرارة،

  • اضطراباً في الرياح،

  • وارتفاعاً ثم تراجعاً في علوّ الأمواج.

علمياً، عندما تتزامن:

  • رياح قارية قوية تدفع المياه نحو عرض البحر،

  • مع ضغط جوي مرتفع،

  • ومع جزر فلكي طبيعي،

فإن النتيجة تكون تراجعاً استثنائياً لمنسوب المياه الساحلية، وهو ما يُعرف بـ:

الجزر المدعوم بالعوامل الجوية.

وهذا قد يفسّر لماذا ظهر الشاطئ أكثر اتساعاً، واختفت المياه من أمام المقهى، لأول مرة بهذا الشكل اللافت.

3. هل للأمطار دور؟

الأمطار الغزيرة تؤثر بطريقة غير مباشرة:

  • تغيّر ملوحة المياه الساحلية،

  • تجرف الرواسب نحو البحر،

  • وتُعيد تشكيل قاع الشاطئ.

وهذا قد يؤدي إلى:

  • ارتفاع قاع البحر قرب الساحل،

  • وبالتالي يبدو الماء، وكأنه “انسحب”، بينما الواقع أن القاع ارتفع قليلاً بفعل الرواسب.

4. خصوصية موقع “بون بلوندان”

هذا الشاطئ يتميز بأنه:

  • شبه مغلق طبيعياً،

  • تحيط به نتوءات صخرية،

  • وكان تاريخياً ملاذاً للألمان المقيمين في المنطقة، خلال الحقب التي سبقت السبعينيات،

  • ثم فضاءً للتخييم العائلي قبل منعه في عهد إدريس البصري.

هذا الانغلاق النسبي يجعل الشاطئ:

  • أكثر حساسية للتغيرات المناخية،

  • وأسرع في إظهار نتائج اضطراب المدّ والجزر.

5. هل نحن أمام ظاهرة عابرة أم مؤشر بيئي؟

السؤال العلمي المطروح:
هل ما حدث مجرد تزامن ظرفي بين الجزر والطقس؟
أم أنه:

  • مؤشر على تغيّر دينامية الساحل،

  • أو بداية تحولات مرتبطة بالاحتباس الحراري وارتفاع تذبذب المناخ؟

الإجابة تتطلب:

  • قياسات دورية لمنسوب المياه،

  • مقارنة صور الأقمار الصناعية،

  • ودراسة تطور خط الساحل خلال السنوات الأخيرة.

خاتمة

إن ما لوحظ بشاطئ “الفريمة” ليس مجرد مشهد بصري غريب، بل علامة بيئية تستحق المتابعة. فالبحر، الذي ظل لعقود يحتفظ بنمطه المعتاد، بدأ يكشف عن حساسيته لتقلبات المناخ، والضغط الجوي، وتغيرات الأمواج. وبين ذاكرة المكان منذ السبعينيات، وواقع اليوم، يظل السؤال مفتوحاً:
هل نشهد تغيراً مؤقتاً، أم بداية تحوّل طويل الأمد في سلوك هذا البحر الصغير؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.