الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ظلال الليل والبارميطة: قصة فريد وحكاية سقوطه

م-ص

للأسف، اعتدنا أن نغرق من يقرأنا في الساعات الليلية في بحر من الظلال، نصوغ فيه قصصًا تمسّ قلب الواقع وتخترق صمت الليل، حيث تتشابك الدراما مع نبض القلب، والوجد يختلط بظلال الليل. في هذا الزمن، قصص الحياة أحيانًا أقسى من كل ما يمكن أن تتخيله مخيلتنا، لأن الخيال، مهما اتسع، يظل رحيمًا بصاحبه، أما الواقع فلا يعتذر حين يصفع، ولا يمنحنا فرصة لإعادة كتابة المشهد.. ونحن اليوم نروي قصة واقعية، لشاب غادر مقعد الدراسة في صباه، اسمنا المستعار له هو فريد.

فريد كان يظن أن التجارة طريقه نحو الحرية. بدأ حياته بسيارة صغيرة، متنقلاً بها عبر مدن الشمال، يقتني الملابس المهربة، غير مبالٍ بما وراء الأرقام والرسوم الجمركية التي لم يدفعها، ولا بالأسئلة التي قد تطرأ على ذهن أي مراقب. كان يعلم، كما يعلم كثيرون، أن بعض المستثمرين الإسبان أنشأوا وحدات إنتاجية قرب المدن المغربية، وحتى في المدينتين المحتليتين، لأن السوق المغربية كانت واعدة، والتجارة مربحة، بعيدة عن أعين المصالح الضريبية الإسبانية، وربما لم يهتم أحد بالتحقق من كل هذا، لكن فريد كان يعيش واقعه في قلب هذه الشبكة.

وفي ظلال تلك الرحلات، كان هناك عالم آخر يختبئ بين ضوضاء حانات الدار البيضاء، حيث جلس فريد وحيدًا، أعزبا، يحمل على كتفيه كل أحلامه التجارية، ويستريح من معارك النهار بين البضائع والطرق والجمارك. هناك، بين زجاجات الشراب وصخب الموسيقى، وقعت عيناه على “البارميطة”، امرأة تعمل خلف المنضدة، الكونطوار كما يسميها السكارى. لم يكن يعرف من البداية سر جاذبيتها، لكنها خطفت قلبه بهدوء، كريح تمر بين أقدام الأشجار، تبعث برودة غريبة على قلب صافي.

مرت الأيام، وبدأ تعلقه بها يزداد، حتى صار كل شيء في حياته يدور حولها: زيارات الحانة، وقروضه الصغيرة، وشراءه للبضائع حتى تجاوزت إمكانياته. التجارة التي كانت سببًا في صعوده، بدأت تهبط، فتراجع تدريجيًا، وتقلصت أرباحه، حتى باع سيارته الصغيرة التي كانت وسيلته الوحيدة، للتنقل بين المدن، وعندما لم تعد الوسائل كافية، بدأ يوزع شيكات خشبية، وعددها أكثر من أن يُحصى، ليدرك الجميع أنه فقد كل شيء.

وكانت الشرطة القضائية تقترب ببطء، بينما قلبه يزداد ثقلاً، ليس خوفًا من القانون فقط، بل من واقع أليم: أسرته فقيرة جدًا، كانت تنتظر منه شيئًا، كان وعدًا لم يتحقق. أما المرأة التي أحبها، البارميطة، فقد تخلت عنه، وربما لم تكن تعرف أنها كانت السبب في سقوطه، أو ربما كانت تعرف، ولكن القسوة كانت أقوى من أي عاطفة.

في نهاية المطاف، وقع فريد في قبضة الشرطة، وسقط كل شيء: التجارة، الحب، الأمل، حتى كرامته. ترك خلفه قصصًا عن الشقاء والصراع، عن الحب والخيانة، عن القوة والضعف، عن ليلة واحدة طويلة، تبدو فيها كل النجوم بعيدة، وكل الأبواب مغلقة.

وقصته تعلمنا شيئًا واحدًا:
أن كل فرد في المجتمع يحمل أسراره، وأن أحيانًا الحب يصبح جسرًا للسقوط، وأنه لا مكان للرحمة في عالم يتسارع نحو الربح والمال، حيث تتلاشى القلوب الصافية في خضم مصالح الآخرين.

ولنا أن نسأل أنفسنا في نهاية كل ليلة:
هل البارميطة مجرد امرأة؟ أم هي رمز لكل قسوة الحياة التي لا تعرف عاطفة، لكنها تعرف دائمًا كيف تُسقط من لا يملك شيئًا سوى أحلامه؟

وهكذا، يظل فريد قصة حزينة، تذكرنا بأن الليل ليس فقط ظلامًا، بل اختبارًا لكل ما نحمله من أحلام، وأن بعض الهزائم لا تُمحى إلا بذاكرة لا تنسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.