ظل سجن غبيلة بالبيضاء: قصة خيالية عن الظلم والبراءة

م-ص
كان المعطي عائداً من حفل عشاء تحت أضواء الشارع الخافتة، حين انقطع صمت الليل فجأة، بصوت تئن فيه الحياة والموت معًا. على رصيف مظلم، وجد شابة تتلوى بين الوجود والغياب، سكين يغرس بين جوانب جسدها الرقيقة. في لحظة لم تدم سوى رمشة عين، سحبها عن نفسها، لكن الحياة كانت قد أجهضت نفسها قبل أن يستطيع شيء إنقاذها.
التفت يمينه ويساره، ولم يرَ سوى الظلال الطويلة للأشجار، والهواء يصفق بأوراقه الممزقة. أطلق ساقيه للريح، وكل خطوة كانت صدى قلبه يرنّ في أذنه. كان الليل يبدو أطول من العمر، والمدينة كئيبة، والقدر يرقص على أطراف قدميه.
بعد يومين، وبينما كان يجلس في مكتبه في شركة كبيرة، كمحاسب، دخل ثلاثة محققين بزي مدني، كأن الظل نفسه تجسد في هيئة بشرية. طلبوا بطاقة تعريفه، ثم ساقوه إلى مخفر الشرطة. هناك، في عهد سنوات الرصاص، لم يكن السؤال عن الحقيقة، بل عن الجسد وروح المعطي معًا. كانت الضربات تنهال عليه، حتى اختلطت الحقيقة بالكذب، وأصبح يعترف بما لم يفعله، بينما ظل قلبه يقول الحقيقة التي يعرفها وحده: أنه وجدها ملقاة، وحاول إنقاذها، لكنه لم يكن القاتل.
فتح عينيه بعد ساعات، ووجد نفسه في سجن صمّم على تسميته “غبيلة”، حيث الجدران تتنفس الألم، والهواء ثقيلاً برائحة الخوف. هنا، بين القضبان، شعر براحة غريبة، لأنه خرج حيّاً من المخفر، لكنه كان محاصرًا بين زمنين: الماضي الذي جرحه، والحاضر الذي لم يمنحه، إلا العزلة والوصمة.
سنوات من الطلوع والهبوط بين المحكمة والسجن، بقي المعطي متمسكاً ببراءته، لكن بصماته كانت تجرّه نحو مصير لم يختاره. حكم عليه بالمؤبد، وكأن الحياة نفسها، سطرت له عقابًا قبل أن يعرف معنى العدالة. عشر سنوات من الضياع، أصيب خلالها بمرض مزمن، لكن قلبه ظل ينبض بصوت الحقيقة.
وفي يوم لم يكن يتوقعه، انكشفت خيوط الجريمة: العصابة التي نفذت القتل اعترفت أخيراً، وأظهرت أن المعطي بريء، وأن ما حلّ به كان ظلًّا من الظلام ذاته. خرج من السجن، حراً من قيوده، لكنه مذنبا في نظرات الآخرين، حيث ظل يُنظر إليه كقاتل، وكأن الظل الذي رافقه في السجن، أصبح جزءاً من جسده.
عاد إلى المدينة التي أحبها، لكنه لم يعد إليها كما كان. أصبح بائعًا متجولًا، يجر عربته بين الأزقة والشوارع، بينما الناس يمرّون من جانبه كما لو أنه مذنب، رغم أنه برئ. فقد كانت بصمته على السكين، التي لم ترتكب الجريمة، هي السبب في كل ما حل به من سجن وضياع، وكأن الظل الذي رافقه في السجن أصبح جزءًا من جسده.
وفي الليل، حين يسقط القمر فوق أسطح المدينة، يغمض المعطي عينيه، ويهمس للحجر والأرض والرياح: “لقد نجوت، رغم كل شيء… وقد بقيتُ أنا، رغم الظل، رغم الناس، رغم العشرين ألف لحظة ألم”.




