عاجل: مطلوب شعب جديد.. الشعب المغربي القديم هاجر!

محمد صابر
لا تستغربوا إذا استيقظنا ذات صباح على خبر عاجل يقول: “آخر مواطن غادر البلاد عبر الحريك.. والسلطات تعلن فتح باب استيراد شعب جديد من جزيرة الواق واق!”
قد يبدو الكلام مبالغًا فيه، لكن التجربة، علمتنا أن الواقع عندنا يملك موهبة عجيبة؛ فهو يقرأ النكات ليستلهم منها أفكاره. فما نضحك عليه اليوم باعتباره مستحيلًا، قد نستيقظ بعد سنوات لنراه حقيقة قائمة، فنكتشف أن الخيال، لم يكن ساخرًا بما يكفي، وأن الواقع سبق الجميع في صناعة العبث.
تخيلوا المشهد…
الموانئ فارغة… المطارات فارغة… الإدارات فارغة… المدارس فارغة… المستشفيات فارغة… الأسواق فارغة… الملاعب فارغة… وحتى المقاهي التي كانت تضج بالشباب، لم يبق فيها إلا الكراسي، تتبادل النظرات فيما بينها.
أما البحر، فقد تعب من استقبال قوارب الحالمين، وأصبح يهمس للأمواج:
“واش ما بقا حتى شي واحد غادي يبقى؟”
في المقابل، يجتمع أصحاب الامتيازات في قاعة مكيفة الهواء، يتساءلون بقلق شديد:
“واش كاين شي مشكل؟ علاش ما بقاش اللي يخلص الضرائب؟”
فيرد آخر بكل برودة:
“يمكن الناس مشاو يصيفطو فلوسهم من الخارج.”
ثم يمر أسبوع…
وشهر…
وسنة…
ولا يعود أحد.
هنا فقط يبدأ السؤال الحقيقي:
من سيشتري العقارات؟
ومن سيؤدي الفواتير؟
ومن سيقف في الطوابير؟
ومن سيصفق لكل قرار؟
ومن سيملأ الصناديق؟
ومن سيستهلك كل شيء حتى تستمر عجلة الاقتصاد؟
فلا يمكن لأي اقتصاد أن يعيش على الريع وحده، ولا لأي دولة أن تبنى على أصحاب الامتيازات فقط. فالوطن لا تحمله فئة قليلة، بل يحمله ملايين الناس البسطاء، الذين يخرجون كل صباح بحثًا عن لقمة العيش، ويدفعون الضرائب، ويستهلكون، ويعملون، ويحلمون، ويصبرون.
لكن يبدو أن بعض العقول، لا ترى في المواطن، إلا آلة متعددة الوظائف.
عندما يتعلق الأمر بالضرائب… فهو مواطن.
وعندما يتعلق الأمر بالفواتير… فهو مواطن.
وعندما يتعلق الأمر بالزيادات… فهو مواطن.
وعندما يتعلق الأمر بالاقتطاعات… فهو مواطن.
أما عندما يبحث عن عمل، أو سكن، أو تعليم جيد، أو علاج كريم، أو تقاعد يحفظ كرامته… يتحول فجأة إلى رقم في قائمة الانتظار.
وكأن المطلوب منه أن يؤدي كل واجباته، ثم يعتذر، لأنه فكر يومًا في المطالبة بحقوقه.
بل إن البعض يتصرف، وكأن الفقير ارتكب جريمة كبرى… لأنه اختار، عن سبق الإصرار والترصد، أن يولد فقيرًا!
يا له من مجرم!
كيف سمح لنفسه أن يأتي إلى الدنيا بلا رصيد بنكي؟
وكيف لم يفكر، وهو لا يزال جنينًا، في اختيار أسرة ثرية؟
بل كيف، لم يحجز موعدًا مع الحظ قبل أن يولد؟
ولو كان أكثر ذكاءً، لاختار أن يولد ابن ملياردير، أو وريثًا لإمبراطورية اقتصادية، أو صاحب امتياز لا ينتهي، وانتهت القصة.
لكن المسكين اختار الطريق الخطأ…
اختار أن يولد مواطنًا بسيطًا، ثم صدق ما كان يقال له، عن أن الدراسة تفتح الأبواب، وأن العمل الشريف، يكفي لبناء المستقبل، وأن الاجتهاد طريق النجاح.
اكتشف لاحقًا أن بعض الأبواب، لا تفتحها الشهادات، بل تفتحها مفاتيح أخرى، لا تباع في المكتبات.
ومع ذلك، لا يزال هذا المواطن يستيقظ باكرًا، ويعمل، ويكد، ويحلم، ويربي أبناءه على الأمل، رغم أن الأمل نفسه، أصبح يحتاج إلى ترخيص إداري.
ثم نتساءل بكل براءة:
“لماذا يفكر الشباب في الهجرة؟”
وكأن الرغبة في الرحيل ولدت معهم، لا مع تراكم الإحباطات، ولا مع الشعور، بأن المستقبل صار بعيد المنال.
ولو استمرت لغة التضييق على الأحلام، فقد يأتي يوم يصبح فيه “الحريك” مشروعًا جماعيًا، لا لأن الناس يكرهون أوطانهم، بل لأنهم يبحثون عن مكان يشعرون فيه، أن الإنسان يُقاس بما يقدم، لا بما يملك، وأن الكرامة، ليست امتيازًا، بل حق.
وعندها، لن يكون السؤال: لماذا هاجر المواطن؟
بل سيكون السؤال الأكثر إحراجًا:
إذا رحل كل من كان يبني، ويزرع، ويعلّم، ويعالج، ويعمل، ويستهلك، ويدفع، ويحلم… فمن سيبقى ليحكم من؟
فالبلدان لا تنهض بالحجارة وحدها، ولا بالإسمنت، ولا بالأبراج، بل بالإنسان. وإذا شعر الإنسان، أنه مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة، ويُنسى عند المطالبة بحقه، فإن الخسارة، لا تكون خسارته وحده… بل خسارة وطن بأكمله.




